التشريع قاطرة التصنيع.. من كوريا إلى مصر
الإثنين 12/أكتوبر/2026 - 12:49 م
المستشار د. سامي الطوخي
لم تكن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى سول فى مطلع أكتوبر الجاري مجردَ حدثٍ دبلوماسي عابر، بل كانت محطةً تستحق أن يتوقف عندها صانع القرار طويلًا. ففي غضون ثلاثة أيام، ارتقت العلاقات المصرية الكورية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وانطلقت مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، ووُقّعت اثنتا عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم فى مجالات بناء السفن والطاقة والتكنولوجيا، وهي قطاعات تقع فى صميم أي مشروع جاد للتوطين الصناعي.
غير أن قيمة هذه الاتفاقات لا تُقاس بعددها، بل بقدرتنا على تحويلها إلى مصانع وخبرات وفرص عمل. وفى هذا اللقاء بين «معجزة النيل» و«معجزة نهر الهان» يبرز سؤال لا يخص الدبلوماسيين وحدهم، بل يعنى المسؤول والمشرّع والمواطن على السواء:
- كيف نهضت كوريا الجنوبية من آثار الحرب لتصبح قوة صناعية عالمية؟
- وكيف نضمن أن تتحول هذه الشراكات إلى نهضة صناعية مصرية مستدامة، لا إلى صفقات عابرة؟
تبدأ الإجابة من عام 1967. حيث كانت مصر وكوريا الجنوبية حينها تعيشان ظروفاً تنموية متقاربة، بل كانت القاهرة تملك مؤسسات أعرق وبنية أساسية أرسخ. غير أن صانع القرار فى سول أدرك مبكراً أن القانون ليس مجرد أداة إدارية لمنح التراخيص، وأنه يمكن أن يكون رافعة استراتيجية للتصنيع.
ولم تُبنَ النهضة الكورية على قانون واحد. ففي يناير 1967 صدر قانون تعزيز العلوم والتقنية إطاراً حاكماً لسياسة نقل التكنولوجيا واستيعابها، وجاء بعد عام واحد من تأسيس المعهد الكوري للعلوم والتقنية. وكان صناع القرار يدركون أن استيراد التكنولوجيا يظل استهلاكاً ما لم يرافقه بحث علمي وطني يستوعبها ويطورها، فأقاموا إطاراً قانونياً ومؤسسياً يربط المصانع بالبحث العلمي.
وبعد أسابيع، فى مارس من العام نفسه، صدر قانون تعزيز صناعة الآلات، وهو القانون رقم 1933 لسنة 1967. حيث وضع هذا القانون الأساس القانوني لتنمية قطاع الآلات بوصفه ركيزة الصناعات الأساسية، وبقي نافذاً حتى عام 1986. ولم يكتفِ بتنظيم القطاع، بل أقام معادلة واضحة. فمن جهة، قدّم تمويلاً حكومياً طويل الأجل منخفض الفائدة، ودعم تدريب الفنيين وإنتاج نماذج الآلات المعدّة للتصدير.
ومن جهة أخرى، ألزم الدولة بتحديد نسب للتوطين فى الآلات المستوردة وإعلانها، وقيّد الاستعانة بالخبرة الأجنبية حيثما توافرت البدائل الوطنية.
وفى عام 1973 أعلنت كوريا حملتها الكبرى للتصنيع الثقيل والكيماوي، وحددت قطاعاتها الاستراتيجية فى الحديد والصلب والبتروكيماويات والمعادن غير الحديدية، والآلات، وبناء السفن، والإلكترونيات. لكنها لم تبدأ من فراغ، فقد كانت تشريعات 1967 هي الإطار القانوني الذي مهّد للانطلاقة، ووجّه الاستثمارات نحو هذه القطاعات قبل إعلان الحملة بسنوات.
أما مصر فقد أدارت مسارها الصناعي بأدوات تشريعية مختلفة. فقد أدى قانون تنظيم الصناعة وتشجيعها رقم 21 لسنة 1958 دوراً مهماً فى وقته، لكن فصله الأول جاء بعنوان «فى الترخيص والقيد»، وانصرف اهتمامه إلى تنظيم التراخيص والقيد الإداري أكثر من بناء منظومة لنقل التكنولوجيا وتعميق التصنيع المحلى.
ومع تحولات الستينيات تصدرت قضايا الملكية والتأميم الأجندة التشريعية، فتراجع سؤال “كيف نكتسب التكنولوجيا ونطورها؟" أمام سؤال "من يملك المصنع؟”
وفى عام 1974 صدر القانون رقم 43 بإصدار نظام استثمار المال العربي والأجنبي والمناطق الحرة، ففتح الأبواب أمام رأس المال الأجنبي. الا أنه لم يتضمن أدوات تشريعية كافية تربط الحوافز بنقل التكنولوجيا أو زيادة الصادرات أو تعميق التصنيع المحلى. ولم يكن النص القانوني وحده قادراً على توجيه الاستثمار نحو القطاعات الإنتاجية الأعلى قيمة، فاتسعت المسافة بين التشريع الاستثماري والهدف الصناعي القومى.
والدرس الذي تقدمه هذه المقارنة لصناع القرار والمشرعين والنواب فى مصر، وهي تمضي بقوة نحو دعم التوطين الصناعي، أن رأس المال والتكنولوجيا المتقدمة يحتاجان إلى «قانون ذكي» يربط الحوافز بنتائج قابلة للقياس.
ولكي لا تبقى اتفاقيات سول ومذكرات تفاهمها حبراً على ورق، تحتاج مصر إلى حزمة تشريعية تؤدي الدور الذي أدته تشريعات 1967 في كوريا. وتبدأ هذه الحزمة بقانون إطاري لنقل التكنولوجيا يربط البحث العلمي بالمصانع، ثم قوانين نوعية لقطاعات الشراكة الجديدة في بناء السفن والطاقة والتكنولوجيا. ويقوم كل قانون منها على خطة معلنة، وتمويل طويل الأجل، ونسب توطين محددة، وإشراك خبراء مصريين في كل عقد لنقل التقنية، ويكتمل البناء بقانون للهندسة العكسية المشروعة. وتتيح مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة فرصة لإدراج هذه الالتزامات في صلب التعاون، فيأتي الاستثمار الكوري شريكاً في بناء القدرة الوطنية لا مجرد مورّد للمنتج الجاهز. فالنهضة الصناعية تبدأ من قاعات البرلمان قبل أن تصل إلى خطوط الإنتاج.

