لماذا فشلت مفاوضات واشنطن وطهران في إسلام آباد؟ … وما الذي يعنيه ذلك للمرحلة المقبلة؟
لم يكن تعثر الجولة الأخيرة من
المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حدثًا مفاجئًا بقدر ما كان امتدادًا
منطقيًا لمسار تفاوضي شديد التعقيد، تداخلت فيه الحسابات السياسية مع الاعتبارات
الأمنية، وتجاوزت فيه الخلافات حدود التفاصيل الفنية إلى جوهر تعريف ما يمكن
اعتباره “اتفاقًا قابلًا للحياة”. فالمحادثات التي عُقدت في إسلام آباد، وهي
الأعلى مستوى بين الطرفين منذ الثورة الإيرانية عام 1979، انتهت من دون اتفاق
نهائي، لكنها في الوقت نفسه لم تُفضِ إلى قطيعة كاملة، إذ ترك الطرفان باب الحوار
مواربًا، وسط وساطة باكستانية مستمرة ومساعٍ إقليمية ودولية للحفاظ على الحد
الأدنى من التهدئة.
وعلى مدار السنوات الماضية، بدا
أن واشنطن وطهران تتحركان داخل مسارين تفاوضيين لا يلتقيان بسهولة. فالولايات
المتحدة سعت، في صورتها الأحدث، إلى اتفاق يتجاوز الإطار النووي التقليدي، ويعالج
في الوقت نفسه مسألة التخصيب، والضمانات المرتبطة بمنع الوصول إلى السلاح النووي،
وبعض الترتيبات الإقليمية والأمنية، خاصة ما يتعلق بالملاحة في الخليج ومضيق هرمز.
في المقابل، تمسكت إيران برؤية أكثر تضييقًا، تركز على رفع العقوبات، وتقديم
ضمانات بعدم تكرار الضربات، والإفراج عن أصول مجمدة، مع رفض أي صيغة تُفهم داخليًا
باعتبارها تخليًا عن حق سيادي أو رضوخًا لإملاءات ما بعد الحرب.
وتشير المعطيات المرتبطة بجولة
إسلام آباد إلى أن نقاط الخلاف الرئيسية تمحورت حول تخفيف العقوبات، والضمانات
النووية، وترتيبات الأمن الإقليمي، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز.
هذا التباين لم يكن مجرد اختلاف
في المواقف، بل في طبيعة الهدف التفاوضي ذاته. فحين يتحدث طرف عن “تسوية شاملة”
تعيد رسم قواعد الاشتباك، بينما يسعى الطرف الآخر إلى “تفاهم محدود” يوقف الخسائر
ويمنع الانهيار من دون مساس بعناصر الردع الأساسية، تصبح فرص الالتقاء ضيقة.
ولهذا، لم يكن فشل الجولة الأخيرة ناتجًا فقط عن تشدد تكتيكي، بل عن فجوة أعمق في
تصور كل طرف لما ينبغي أن تنتهي إليه العملية التفاوضية.
فجوة الثقة… العائق غير
المعلن
وراء هذا التعثر المتكرر، تقف
أزمة ثقة لم تُحل منذ سنوات. فإيران لا تزال تنظر إلى أي التزام أمريكي من خلال
عدسة الانسحاب السابق من الاتفاق النووي، ثم من خلال تجربة الحرب الأخيرة والضغوط
التي صاحبت المسار التفاوضي. وتعكس التصريحات الإيرانية الأخيرة وضع شروط مسبقة
لأي حديث عن “سلام دائم”، تشمل وقف الضغوط العسكرية، وتقديم ضمانات بعدم تكرارها،
إلى جانب تعويضات مرتبطة بالأضرار.
هذه الشروط تعكس بوضوح أن إيران
لم تعد تتعامل مع التفاوض كعملية تقنية، بل كعملية إعادة ضبط للردع والثقة في آن
واحد.
في المقابل، تعكس المواقف
الأمريكية الرسمية رؤية مختلفة، تقوم على اعتبار التفاوض أداة لضبط السلوك
الإيراني على المدى الطويل، مع ربط أي تقدم ملموس بوجود تغييرات فعلية على الأرض،
خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي وأمن الملاحة.
التخصيب… من ملف تقني
إلى قضية سيادية
لا تزال قضية تخصيب اليورانيوم
تمثل قلب الخلاف. فبالنسبة للولايات المتحدة، لا يتعلق الأمر فقط بالنسبة الحالية
للتخصيب، بل بالقدرة الكامنة التي قد تسمح لطهران بالاقتراب سريعًا من العتبة
النووية إذا انهار أي اتفاق لاحق. أما بالنسبة لإيران، فإن التخصيب لم يعد مجرد
بند فني، بل رمزًا لسيادة القرار ورفض الإملاء الخارجي.
ولهذا السبب تحديدًا، اصطدمت
المفاوضات الأخيرة بسقف صلب، لأن أي حل وسط في هذا الملف يحتاج إلى معادلة سياسية
تتيح لكل طرف أن يقدم داخليًا تصورًا لا يُفهم باعتباره تراجعًا استراتيجيًا.
توسيع جدول الأعمال… تعقيد بلا
عائد فوري
أحد أسباب التعثر أيضًا أن جدول
الأعمال لم يعد نوويًا خالصًا. فبعد التصعيد الأخير، دخلت على خط التفاوض قضايا
شديدة الحساسية مثل العقوبات، وضمانات عدم الاعتداء، وملف الأصول المجمدة، وأمن
الطاقة العالمي، وحرية الملاحة في مضيق هرمز.
هذا التوسع، رغم كونه يعكس واقع
التهديدات المتشابكة، أدى إلى تعقيد العملية التفاوضية، حيث أصبح كل ملف من هذه
الملفات قادرًا بمفرده على تعطيل أي تقدم. كما تحول مضيق هرمز من ملف ثانوي إلى
نقطة ارتكاز مركزية في التفاوض، في ظل ارتباطه المباشر بأمن الطاقة والتوازنات
الدولية.
حسابات ما بعد التصعيد…
من الدبلوماسية إلى إدارة الحافة
جاءت هذه الجولة من المفاوضات في
سياق مختلف جذريًا عن الجولات السابقة، إذ لم تأتِ فقط بعد سنوات من الضغوط، بل في
أعقاب مرحلة تصعيد عسكري ووقف إطلاق نار يوصف بالهش. وفي هذا الإطار، لم تعد
المفاوضات مجرد مسار دبلوماسي تقليدي، بل تحولت إلى أداة لإدارة حافة الانفجار.
ففي أعقاب تعثر المحادثات، اتجهت
التفاعلات نحو تعزيز أدوات الضغط، خاصة في المجال البحري، مع تصاعد الحديث عن
ترتيبات أمنية جديدة في نطاق الملاحة، يقابلها تمسك إيراني بمواقف ترتبط بالسيادة
والردع.
كما تعكس التفاعلات الدولية
المحيطة بهذا الملف وجود تباين واضح في مقاربات إدارة الأزمة، حيث تميل بعض
الأطراف إلى استخدام الضغط المباشر، في حين تفضل أطراف أخرى الحفاظ على مسارات متعددة
الأطراف لتجنب انهيار التهدئة.
ما الذي يمكن توقعه؟
في ضوء ما جرى حتى اليوم، لم يعد
أدق توصيف للمشهد هو “فشل نهائي”، بقدر ما هو تعثر خطير داخل مسار لم يُغلق بعد.
فالسيناريو الأكثر ترجيحًا في الأجل القريب ليس الاتفاق الشامل ولا الحرب المفتوحة
فورًا، بل استمرار حالة “التوتر المُدار” تحت تفاوض متقطع.
غير أن هذه الحالة تظل شديدة
الهشاشة، حيث أصبح ملف مضيق هرمز نقطة اختبار رئيسية. فإذا حدث انفراج عملي في
حركة الملاحة، فقد يفتح ذلك المجال لتفاهمات جزئية أو لترتيبات انتقالية تسمح
باستئناف التفاوض. أما إذا استمر منطق الضغط والردع المتبادل، فقد يتحول التعثر
الحالي إلى مسار تصعيد تدريجي، حتى إن ظل دون مستوى الحرب الشاملة.
ومن ثم، فإن مسار المرحلة المقبلة
سيتحدد بدرجة أقل بما يُعلن سياسيًا، وبدرجة أكبر بما يحدث ميدانيًا، خاصة في نطاق
الملاحة البحرية ومستوى الالتزام بوقف إطلاق النار.
خلاصة المشهد
لا يمكن فهم تعثر مفاوضات واشنطن
وطهران باعتباره إخفاقًا تفاوضيًا تقليديًا فحسب، بل باعتباره انعكاسًا لاختلال
أعمق في بنية العلاقة بين الطرفين بعد مرحلة التصعيد الأخيرة. فكل طرف دخل التفاوض
وهو يسعى لتحقيق أكثر من مجرد اتفاق: الولايات المتحدة تسعى إلى ترسيخ قواعد ردع
طويلة الأمد، في حين تسعى إيران إلى وقف الضغوط دون المساس بعناصر قوتها. وبين هذين الهدفين، يصبح
التعثر نتيجة شبه طبيعية.
ومع ذلك، فإن الأهم في اللحظة
الراهنة هو أن الفشل لم يتحول إلى قطيعة كاملة، بل إلى مرحلة رمادية تجمع بين
الردع، والضغط، والوساطة، واحتمال العودة إلى الطاولة. ومن ثم، فإن السؤال الأكثر
واقعية لم يعد: هل يمكن التوصل إلى اتفاق شامل قريبًا؟ بل: هل تستطيع الأطراف
إدارة هذا التعثر ومنع تحوله إلى تصعيد واسع، خاصة في ظل حساسية ملف الملاحة وأمن
الطاقة؟

