المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

أزمات تصميم الطرق .. ازدحام المرور وتصاعد معدل الوفيات العالمي

الأحد 01/مارس/2020 - 07:38 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
جانيت صادق خان وسيث سولومونو- عرض: مرﭬت زكريا

باتت بعض أسباب الوفاة بسيطة للغاية، إلى الحد الذي جعلها لا تجذب الجمهور؛ حيث سيطرت العديد من الفيروسات مثل أنفلونزا الطيور وإيبولا ومؤخراً الفيروس الصيني كورونا، الذى تناولت غالبية المنصات الإعلامية الحديث عن أسبابه، تداعياته على المدى القصير والطويل. كما يجتذب السرطان وأمراض القلب وفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز الآن مليارات الدولارات من الأبحاث، لكن أحد أكبر القتلة لا يحظى إلا باهتمام ضئيل من قبل الحكومات، وسائل الإعلام أو عامة الناس؛ حيث تسببت حوادث السيارات في مقتل 1.35 مليون شخص في عام 2016، وهو العام الأخير الذي تتوفر فيه بيانات لدى منظمة الصحة العالمية عن هذا النوع من الحوادث، مما أسفر عن مقتل 3998 شخصًا يوميًا خلال هذا العام.

وفي هذا السياق، يشير الكاتبين جانيت صادق خان مفوضة وزارة النقل في مدينة نيويورك ومديرة مؤسسة بلومبرج أسوشيتس من 2007 إلى 2013، وسيث سولومونو نائب مفوض الشؤون الخارجية في إدارة النقل بمدينة نيويورك في الفترة ذاتها، إلى أن الإصابات الناجمة عن حوادث المرور تعد حاليًا القاتل الأكبر للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 5 إلى 29 عامًا على مستوى العالم، وتتفوق على أي مرض وتتجاوز الخسائر السنوية مجتمعة لجميع النزاعات المسلحة في العالم. فلا يزال عدد القتلى في ارتفاع؛ الأمر الذي زاد بمعدل 100000 في ثلاث سنوات فقط، من 2013 إلى 2016، ولا يشمل ذلك ما يصل إلى 50 مليون شخص من المصابين بواسطة السيارات كل عام، على أن تقدر الخسائر الاقتصادية الناتجة عن هذه الحوادث بحوالي 3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ولكن انخفض معدل الوفيات للفرد المروري على مدى السنوات الخمسين الماضية في العديد من البلدان ذات الدخل المرتفع، ويُعزى ذلك جزئيًا إلى التقدم في قوانين السلامة فيما يتعلق بقوانين القيادة ولاسيما في حالة الثمالة؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية انخفضت الوفيات الناجمة عن حوادث المرور بنحو الثلث منذ منتصف القرن العشرين، لكن على الرغم من ذلك، مات 36،560 أمريكيًا في حوادث السيارات في عام 2018، أي ما يقارب عدد القتلى الذين قُتلوا بالأسلحة النارية في العام ذاته. كما وصل عدد الأمريكيين الذين قتلوا في السيارات أثناء المشي أو ركوب الدراجة عام 2018، إلى 7140 - وهو الأعلى منذ عام 1990 طبقًا للإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة- كما زاد عدد القتلى بنسبة 41% منذ عام 2008. أما في البلدان ذات الدخل المنخفض، فعلى الرغم من أنه يوجد بها نسبة 1% فقط من عدد السيارات في العالم ولكنها تعاني من 13% من إجمالي وفيات المرور عالميًا، فعلى سبيل المثال، شهدت إثيوبيا 26.7 حالة وفاة لكل 100000 من السكان في عام 2016 ، أي ما يقرب من عشرة أضعاف المعدل في السويد ومضاعفة ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية.

وعليه، جاء رد فعل صانعي القرار في العالم على هذه الازمة من خلال اتخاذ بعض التدابير التدريجية، الأمر الذي تمثل في تمرير قوانين حزام الأمان العالمي، فرض أكياس هوائية ومكابح مانعة للتسرب، خفض حدود السرعة ورفع العقوبات على القيادة في حالة الثمالة، وعلى الرغم من أنها خطوات جيدة في هذا الإطار  إلا أنها غير فعالة لأن السبب الأساسي لخطر المرور ليس السيارات المعيبة أو السائقين الجامحين، إنما الطرق نفسها.

أولاً- الطرق... والخطورة بسبب التصميم

كانت شوارع المدينة في مطلع القرن العشرين عبارة عن مساحات مشتركة إلى حد كبير؛ حيث كان الناس يختلطون مشياً على الأقدام في الشارع مع الباعة، راكبي الدراجات والعربات، كان تتم مشاهدة السيارات من بعيد في الماضي مع وجود حالة من الرعب، الأمر الذي ارتفع معه عدد الوفيات الناجمة عن حوادث المرور في الولايات المتحدة الأمريكية من 26 فقط في عام 1899 إلى 29592 في عام 1929. ولزيادة معدل السرعة والأمان، تم توسيع الشوارع وإزالة العقبات منها، كما قام المهندسون والمسؤولون الحكوميون بتوسيع الطرق متعددة المسارات والطرق السريعة والجسور في الأحياء التي كانت هادئة في السابق لنقل أكبر عدد ممكن من السيارات عبر المدن.

وفي هذا السياق، لم تهتم العديد من المدن ببناء أرصفة جديدة لأن الوجهات كانت بعيدة عن بعضها البعض لدرجة أنه لم يكن من الممكن السير عليها، عندما أصبحت الطرق الموسعة بنفس القدر من الازدحام والخطورة مثل الطرق التي حلت محلها، استجاب المهندسون بمزيد من البنايات، وتحولت هذه الشوارع هى الأخرى إلى شوارع أحاديات السيارات، وبالتالي، باتت مجرد فكرة المشي، ركوب الدراجات أو النقل العام تعتبر غير مجدية. ولكن الطرق متعددة المسارات لم تحل الازدحام المروري أيضًا؛ فلقد مكّنوا المزيد والمزيد من السائقين من النزول إلى الشوارع، في عام 1955، أشار المعماري "لويس مومفورد" إلى أن توسيع الطرق لحل الازدحام المروري يشبه تخفيف حزام المرء لحل السمنة، الأمر الذي يخفف القيود مؤقتًا لكنه لم يحل المشكلة الأساسية.

لذلك، من الواضح أن مصممي الطرق يقع تركيزهم الأساسي على عدد السيارات التي من الممكن أن تسير فيها، لذا، تميل الطرق إلى أن تكون أوسع مما هو ضروري وأمن، فعلى الرغم من أن هذا يجعل السيارات بعيدة عن بعضها البعض، إلا أن الممرات الأكبر - عادة حوالي 12 قدمًا - تقلل ما يطلق عليه مخططو حركة المرور "الاحتكاك"، وهو تفاعل صحي بين السائقين والمشاة وراكبي الدراجات وغيرهم من الأشخاص الذين يحفزون على سلوك الأكثر أمانًا. ومن هنا يشير الكاتبين، إلى أن الطرق السريعة هى حتمًا الأكثر فتكًا، كما يظهر دور علم النفس؛ حيث تشجع الممرات الضخمة السائقين على القيادة بسرعات أكبر وأن ينظروا إلى أي شخص آخر في الشارع على أنه عقبة.

كما أن الفصل المروري مبدأ آخر سيطر على تصميم الطرق في القرن العشرين، مما بات يضر بسلامة المشاة. يشير الكاتبين إلى أن المشاة (وأي شخص آخر) ينبغي أن يُحفظوا بأمان بعيداً عن طرق السائقين؛  ففي لندن وطوكيو، تجبر أسوار المشاة الجمهور على السير على الأرصفة، لكن الفصل أيضًا ليس ممكنًا دائمًا. فالشوارع في جميع أنحاء أفريقيا، الأميركتين وآسيا لديها أرصفة فقيرة أو معدومة، لذا، شهدت العديد من المدن في العالم النامي مساحات للمشاة تستولي عليها السيارات المتوقفة، الدراجات البخارية والباعة، مما يجبر الناس على السير في طرق السيارات.

يقر الكاتبين بأنه على الرغم من أن جذور المشكلة تكمن في الطريقة التي صممت بها الشوارع، ولكن الاتجاه العام يتمثل في إلقاء اللوم على الضحية، ففي كثير من الأماكن، تميل التقارير الإخبارية عن حوادث الاصطدام إلى تكرار الادعاء بأن المشاة أو راكبي الدراجات المصابين قد صرفوا انتباههم أو انحرفوا عن العمل أو كانوا غير مرئيين بشكل كافٍ، لذلك، تطالب بعض المدن الأمريكية الأخرى، مثل سولت ليك سيتي ، المشاة بحمل أعلام عالية الوضوح عند عبور الشارع.

وخصصت العديد من المجتمعات بالفعل وقتًا كبيراً لتدريب السائقين وكتابة قوانين الأمان بشكل أفضل، فعلى الرغم من كثرة القوانين الموجودة بالكتب والوثائق،  ولكن عددًا كبيرًا من حوادث الاصطدام تنطوي على السرعة الزائدة، الفشل في الخضوع للمشاة في ممرات المشاة أو الشرب وتعاطي المخدرات؛ ففي عام 2017 ، كانت 29 % من حوادث المرور على الطرق الأمريكية بسبب تعاطى الكحول، وما يقدر بنحو 10% من الحوادث بسبب صرف الانتباه من قبل السائقين، على خلفية استخدام الكثير منهم للهواتف المحمولة أثناء القيادة، فبدلاً من محاولة تشريع السلامة، هناك طريقة أكثر فاعلية تتمثل في جودة تصميم الطرق.

ثانيًا- أمن الطرق... والتخطيط للمستقبل

يشير الكاتبين إلى أنه على الرغم من أن دراسة تم إجراءها من قبل المنتدى الدولي للنقل في عام 2018 على 26 دولة أثبتت أن معظم حالات الوفاة تحدث في المناطق الريفية؛ حيث السرعة العالية وعدم وجود مساحة على الطريق للمشاة، راكبي الدراجات أو الدراجات النارية، فإن هذا النمط يتغير مع استمرار التحضر عبر العالم. فبحلول عام 2050، من المتوقع أن يشكل سكان المدينة 68% من سكان العالم، ففي مدينة تلو الأخرى، يجد جيل جديد من المخططين الحضريين طرقًا جديدة للحد من الوفيات الناجمة عن حوادث المرور عن طريق تحديث الطرقات.

على الرغم من أن مهام وكالات النقل تقتصر على إصلاح الطرق، إعادة صيانتها والحفاظ على العلامات  وما إلى ذلك، إلا أن هناك الكثير الذي يمكن أن تفعله الحكومات على المستوى المحلى مثل حكومات البلديات. فبين عامي 2007 و 2013، أعادت وزارة النقل في الولايات المتحدة الأمريكية تصميم أجزاء طويلة من 137 شارعًا وتجديد 113 تقاطعًا لتوسيع المساحة المخصصة للمشي، تقليل مسافات العبور للمشاة، وجعل الشوارع قابلة للتجوال بشكل كافٍ للأطفال، كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقات الجسدية. فمن خلال تضييق الممرات ووضع السائقين على اتصال أوثق مع المشاة وراكبي الدراجات، أجبرت إعادة تصميم الطرق السائقين على السير في الممرات وإدارتها وتغييرها بشكل أفضل من المتوقع. كما أدى التعاون مع قسم شرطة مدينة نيويورك لتنفيذ حدود مخفضة للسرعة، باستخدام الكاميرات لالتقاط السيارات التي تسير بسرعة فوق المعدل الطبيعي، تشعل أضواء حمراء أو تتسلل إلى ممرات الحافلات.

وجاءت النتائج جيدة للغاية، فمن عام 2001 إلى عام 2019 ، انخفض عدد الوفيات الناجم عن حوادث المرور على طول طريق مدينة نيويورك البالغ 6000 ميل بأكثر من 44 % حتى مع زيادة عدد المشاة في شوارع المدينة، تضاعف عدد ركاب الدراجات ثلاث مرات، وشهدت المدينة انخفاضًا بنسبة 37٪ فيما يتعلق بعدد وفيات المشاة وانخفاض مماثل للذين كانوا يصابون نتيجة حوادث السيارات. وبالفعل كان للموضوع تأثير إيجابي جيد جداً عند التركيز على تصميم الطرق بدلاً عن عدد السيارات التي من المقرر تواجدها في الطريق الواحد، وذلك في مدن مثل أديس أبابا ومومباي.

تأسيسًا على ما سبق، يشير الكاتبين إلى أنه في معظم الأوقات، لا يتعين على المخططين الحضريين إعادة اختراع العجلة، لأنه لديهم بالفعل خبرة وشهادات الآخرين للاستفادة منها، فعلى سبيل المثال، يجمع دليل تصميم الشارع العالمي بين الخبرات والممارسات الواقعية للخبراء من 72 مدينة في 42 دولة، وبالفعل تم تبني الدليل الآن من قبل 100 مدينة والعديد من المنظمات غير الحكومية التي تركز على السلامة المرورية، الأمر الذي يفرض تغييراً جذريًا لتصميم الشوارع، ووضع المشاة وراكبي الدراجات بدلاً من الشحن والمركبات الخاصة، في الجزء العلوي من التسلسل الهرمي للشارع.

ففي الغالب، كل ما يتطلبه الأمر لجعل الشوارع أكثر أمنًا هو الطلاء، المزارعون والمواد الأساسية الموجودة بالفعل في مستودعات المدينة، مثل الأحجار، العلامات ونقاط المرور المرنة. ومع ذلك، نظرًا لحجم التغييرات، سيتطلب الأمر من حكومات البلديات استثمارًا مستدامًا للتوسع في ممارسات السلامة التي أثبتت جدواها وتخفيض معدل الوفيات الناجم عن حوادث المرور.

ثالثًا- تصميم الطرق... والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة

يتساءل الكاتبان عما إذا كان للحلول منخفضة التقنية تأثيراً كبيراً على صحة الإنسان، فماذا عن التقنيات المتطورة؟ حيث باتت صناعة السيارات بدون سائق  في طليعة السلامة المرورية، في ظل امتلاكها لإمكانيات واعدة عن طريق برمجة المركبات المستقلة للحفاظ على سرعات آمنة بغض النظر عن البيئة؛ حيث يمكن لمجموعة من بيانات GPS وكاميرات التعرف على العلامات في السيارات أن تضبط السيارة على حدود السرعة المسموح بها أو الرسمية.

والجدير بالذكر، أن الادعاء بأن السيارات بدون سائق التي تعمل في نظام مغلق وعلى قدر أكبر من الناحية التكنولوجية ستكون أكثر أمنًا. ولكن كل شيء سيكون مختلفًا على الطريق السريع، حيث ستحتاج هذه السيارات إلى القيادة إلى جانب مئات الملايين من المركبات التي يقودها الإنسان، والتي لا يزال مشغلوها يسرعون، ويقطعون الطريق على بعضهم البعض، ويتنافسون على مواقعهم. ولكن لا يمكن لمسؤولي النقل انتظار سيارات بدون سائق لجعل الشوارع آمنة، فالأرصفة لن تمدد. ولا يمكن للبلدان أن تراهن على مستقبلها على الواعد بأن السيارات الأفضل أو السائقين الأفضل ستصرف الضرر الناجم عن قرن من تصميمات الطرق التي تمنح القدر الأكبر من التركيز على تصميم الطرق المهووس بالسيارات، فإذا كانت المدن تريد بنية تحتية تستوعب جميع المستخدمين، فعليهم أن يحتذوا بالقدوة فيما يتعلق باستصلاح وإعادة تصميم طرقهم وإعادة بنائها.

في النهاية: لا يتطلب القضاء على معظم المخاطر الصحية المتعلقة بتصميم الطرق تقنيات جديدة أو استثمارات غير مستدامة، بل يتطلب الأمر في بعض الأحيان تغيير وجهة نظرنا عن الوفيات والإصابات الناجمة عن حوادث المرور، ومعاملتها على أنها نتاج ثانوي يمكن تجنبه لأزمة في التصميم الحضري للطرق، ولكن ما يدعو للتفاؤل أن هناك ثورة جارية بالفعل لإعادة تصميم شوارع المدن في الولايات المتحدة الأمريكية وفقًا لمعايير جديدة، ولكن لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به  في ظل تزايد عدد السكان الذين يحتاجون إلى الحماية.

المرجع:

Janette Sadik-Khan and Seth Solomonow, Mean Streets: The Global Traffic Death Crisis, Foreign Affairs, March/April 2020 issue, available at :

https://www.foreignaffairs.com/articles/world/2020-02-10/mean-streets.

 


إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟