سيناريوهات مستقبلية لما قد يحدث في الصراع الأمريكي الإيراني
الأحد 01/نوفمبر/2026 - 12:40 م
في 28 فبراير من العام 2026 نفذت الولايات المتحدة ضربات عسكرية على إيران، وردت هذه الأخيرة بشن هجمات على إسرائيل وسوريا والأردن ودول الخليج، وفي الساعات الأولى من صباح الأول من مارس من نفس السنة أكدت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية نبأ مقتل علي خامنئي المرشد العام للثورة رغم نفيها السابق وأعلن الحداد لمدة أربعين يوما ، وبعد أيام من المواجهة اتفق الطرفان ومعهما إسرائيل على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية في 8 أيريل من نفس السنة، لكن وبعد فشل محادثات إسلام آباد في 12 أبريل صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لم يعد مهمتها بالمفاوضات مع إيران معلنا في الوقت نفسه فرض حصار بري على إيران بداية من 13 أبريل من العام 2026 وهو الأمر الذي قابلته إيران بإغلاق مضيق هرمز أمام سفن التجارة الدولية كما صعدت من حدة هجماتها ضد دول الخليج والمصالح الأمريكية في المنطقة، و أمام هذا التصعيد الخطير والمستمر يتفق اليوم العديد من الأكاديميين والخبراء في مراكز الأبحاث على ضرورة إنهاء هذه الحرب، لكنهم يختلفون حول أفضل السبل لتحقيق ذلك، وسنحاول في هذه الدراسة التطرق لمجموعة من السيناريوهات المتداولة في شأن مستقبل هذا الصراع المستنزف بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، كما سنتوقف بالتحليل عند أبرز الملفات التي يتوجب على الطرفين الأمريكي والإيراني إيجاد حل لها في سبيل وضع حد للصراع بينهما.
المبحث الأول : الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بين التسوية المؤقتة واتساع نطاق المواجهة.
يشهد الصراع الأمريكي الإيراني حالة من الجمود والتأرجح المستمر بين احتمالات التهدئة والتفاوض من جهة ومخاوف الانزلاق إلى جولة جديدة أوسع نطاقاً من المواجهة العسكرية من جهة أخرى، وبين هذين الاحتماليين يبرز سيناريو آخر يتمثل في استمرار حالة اللاحرب و اللاسلم بين الطرفين لفترة طويلة .
المطلب الأول :سيناريو دخول الطرفين في حالة اللاحرب و اللاسلم
يفترض هذا السيناريو دخول الطرفين في مرحلة يمكن وصفها بمرحلة "اللا حرب واللا سلم"، وهي مرحلة لا تنتهي فيها الحرب بصورة كاملة ولا تعود فيها المواجهة العسكرية الشاملة، وإنما تستمر المفاوضات لفترة طويلة تتخللها عمليات عسكرية مختلفة الشدة و ضربات متبادلة مع رسائل ردع متبادلة وانتهاكات محسوبة وضغوط سياسية واقتصادية متبادلة، بحيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي قبل الوصول إلى أي اتفاق نهائي، و هذا النمط من إدارة الصراعات يعد أحد أكثر الأنماط شيوعا في النزاعات الدولية الممتدة حيث تتحول المفاوضات نفسها إلى جزء من ميدان الصراع وليس إلى بديل عنه ، وهذا السيناريو المرتقب ستفرضه عدة عوامل ولعل من أبرزها فشل الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق مجموعة من الأهداف من هذه الحرب وعلى رأسها إسقاط النظام الإيراني رغم القضاء على القيادات الإيرانية الرفيعة المستوى وتدمير أجزاء من البنية التحتية المرتبطة بجهاز الأمن الداخلي للنظام .
تمتلك إيران نظاماً سياسياً فريداً من نوعه بين أنظمة الحكم، والذي جاء عقب ثورة سياسية وشعبية على نظام الشاه وسياسته الموالية للغرب، وقد أتت الثورة الإيرانية بقيادة موحدة متمثلة بالولي الفقيه وتوجهاته للأمة الإيرانية بعد عقود من الفساد الإداري والمالي الذي مارسته السلطات الملكية المندمجة مع الغرب وظهور طبقة حاكمة مستبدة، وبالتالي فقد كان هناك رفض شعبي لسياسة تلك الطبقة الحاكمة وشعور بان ثروات الشعب تنهب وتعطى للغرب على حساب الشعب الإيراني، وتمثل هذا النظام من خلال وجود عدد من المؤسسات الدستورية المنتخبة وغر المنتخبة التي أوجدت من خلال التعيين ، و يتميز النظام السياسي الإيراني بتعقيده، وتشمل مراكز القوّة الرئيسية التابعة له مكتب المرشد الأعلى للثورة الذي يحدد إطار العمل لعملية اتخاذ القرارات، كما ويؤدي دور الحَكَم النهائي في المنازعات، ثم الجهاز التنفيذيّتحت إدارة رئيس الجمهورية ، ثم الجهاز التشريعيّ و الذي يُطلَق عليه اسم المجلس، ثم السلطة القضائيّة، ثم القوات المسلّحة الإيرانية التي تتألّف من الجيش التقليدي وجهاز حرس الثورة ، وقد كانت أولى مظاهر التدخلات الأمريكية- الإسرائيلية في إيران لإسقاط النظام الإيراني في العام 2012 متأثرة بثورات الربيع العربي، فقد دعمت إسرائيل بعض العناصر المسلحة في إيران مثل بلوشستان، وزادت حدة الصراع بين إسرائيل وإيران في حربها في نهاية العام 2025 والتي عرفت بحرب الاثني عشر يوما، واستمرت محاولات زعزعة الاستقرار للنظام الإيراني من الناحية الاجتماعية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أعلن الرئس دونالد ترامب صراحة أنه ينوي تغيير النظام الإيراني في فبراير من العام 2026 وتنصيب قيادات جديدة في إيران موالية للولايات المتحدة الأمريكية، ثم أعلن في يناير من نفس العام بأنه سيتدخل لحماية المتظاهرين الإيرانيين، ولكن ما لبث أن تدخلت الولايات المتحدة وإسرائيل بحرب استباقية مباشرة ضد إيران في شهر فبراير من العام 2026، وقد تراوحت أهداف الحرب الأميركية - الإسرائيلية، عند بدايتها، ما بين إخضاع إيران عبر تحييد قيادتها السياسية والأمنية والعسكرية، وفق ما يسمى "استراتيجيا قطع الرأس" مثلما توقعت إدارة دونالد ترامب ، لكن ومع الاستمرار في الحرب تدرك الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل سوء التقدير والقرار الذي اتخذ بالحرب ضد إيران، فقد زاد من حدة الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وأظهر مدى صعوبة تحقيق الأهداف الأمريكية، وكلما كان هناك سوء في التقدير انعكس هذا على الهيبة الأمريكية مما يجعلها تتخذ قرارات عسكرية غير سليمة، تمامًا كما حدث بين اليابان وأمريكا فالكارثة البحرية العسكرية "بيرل هاربر" زادت من حدة الانتقام الأمريكي تجاه اليابان وألقت بالقنابل الذرية عليها، وهذا الأمر قد لا يكون مستبعدًا إذا لم تحقق الولايات المتحدة الأمريكية أهدافها تجاه إيران، ولا سيما بعد رفض دول حلف الناتو المشاركة العسكرية الحربية ، لذلك يذهب العديد من المحللين إلى أن الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية و إيران سيستمر طويلا وسيأخذ صيغة استنزاف طويل الأمد دون حسم عسكري أو تسوية سياسية شاملة، حيث أن بقاء النظام الإيراني قائماً رغم الضربات المكثفة يجعل كلا الطرفين عاجزاً عن فرض إرادته بالكامل، حيث أنه ومع اندلاع شرارة الحرب الأمريكية على إيران فقد أسفرت في ساعتها الأولى عن مقتل عدد من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية الإيرانية، وعلى رأسهم المرشد العام للثورة علي خامنئي في 28 فبراير من العام 2026 والذي غالبا ما يعتبر المراقبون الغربيون عملية اتخاذ القرارات الإيرانية بشأن الأمن القومي بمثابة تمرين ينطلق من الأعلى نحو القاعدة وتضطلع به مؤسسة المرشد الأعلى ، فالنظام الإيراني كان قد أعد العدة منذ زمن طويل لهجوم أمريكي واسع النطاق، وقد مكنه ذلك من التنفيذ السريع لإستراتيجيته الدفاعية "الفسيفسائية" التي لا مركزية فيها لاتخاذ القرار، بما يتيح للقادة التصرف باستقلالية حتى حين يتعرض التسلسل القيادي للضغط وتكون الاتصالات معرضة لخطر الانقطاع، وقد كانت لدى النظام الإيراني خطط طوارئ معدة منذ وقت طويل لاستبدال القادة العسكريين بعد اغتيالهم، وجرى انتقال السلطة حتى في أعلى هرم النظام بسلاسة معقولة، بما سمح باستمرارية الحكم وتشغيل القوات المسلّحة رغم مقتل عشرات من كبار المسؤولين .
المطلب الثاني : سيناريو الاتجاه نحو التسوية التفاوضية المؤقتة:
أمام محدودية وصعوبة الخيارات المُتاحة أمام صانع القرار الإيراني لمواجهة إصرار الإدارة الأميركية الحالية على استمرار التصعيد العسكري و فرض الحصار والعقوبات الاقتصادية، ونظرا لضخامة التأثيرات السلبية لنتائج هذه التحركات الأمريكية على جوهر النظام السياسي في إيران فإنه لا يمكن استبعاد القيادات الإيرانية، في آخر المطاف، لقبول التفاوض المباشر أو غير المباشر عبر وسطاء إقليميين أو دوليين مع الإدارة الأميركية الحالية ، ففي ظل الصراع المستمر بين الولايات المتحدة الأمريكية و إيران تبدل جهود كبيرة ومباحثات غير مباشرة تتضمن أساسا أفكاراً لمذكرات تفاهم ووقف مؤقت لإطلاق النار تركز بالأساس على فتح مضيق هرمز أمام التجارة الدولية كما تركز أيضا على ضرورة رفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية وتأجيل الملف النووي أو حصر التفاوض عليه في مرحلة لاحقة، وتبدي العديد من الأطراف الدولية وعلى رأسها روسيا استعدادها للوساطة من أجل تقريب وجهات النظر بين الطرفين المتصارعين، وانطلاقاً من سعي إيران لممارسة أدوارا أكثر تأثيرا وفاعلية على المستويين الإقليمي والدولي فقد تسعى إلى الدخول في مفاوضات جديدة مع الجانب الأمريكي للتوصل إلى اتفاق يخص برنامجها النووي خاصة وأن إيران لازالت تعاني من كثير من المشاكل على الصعيد الداخلي والتي قد تهدد أمنها وسلامها الداخلي، ولعل هذا ما سيدفعها إلى محاولة إحياء الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة ، خاصة وان هناك أهدافا لدى كل من الطرفين لعقد مثل هكذا اتفاق ، فالولايات المتحدة الأمريكية تدرك بان الطرق الدبلوماسية هي أفضل وسيلة للتعامل مع إيران خاصة وأن هذه الأخيرة تمتلك من عناصر القوة والتحالفات الدولية والأذرع الإقليمية ما يجعل أي دولة تستبعد الدخول في عمل عسكري ضدها، بالإضافة إلى سعي إيران المستمر لتفعيل دورها الإقليمي والدولي والذي تمثل في شراكتها الإستراتيجية مع الصين كحليف أساسي لها ومستورد مهم للنفط الإيراني، حيث تستورد الصين حوالي مليون برميل يومياً من النفط الإيراني، وكذلك روسيا والتي عملت على مساندتها في حربها ضد أوكرانيا ودعمها بالطائرات المسيرة والتي مثلت إحدى النقاط التي تقف في وجه الوصول إلى اتفاق نووي أمريكي – إيراني، إذ تعمل إيران على تدعيم دورها الإقليمي والدولي من خلال اللجوء إلى دول أخرى قد تتشارك معها توجها ضد الولايات المتحدة الأمريكية كالحالة مع الصين وروسيا في محاولة لكسر القيود المفروض عليها اقتصادياً وسياسياً، وكذلك لإيصال رسالة إلى بقية الدول بان الضغوطات التي تمارس عليها قد لا تكون بالتأثير المتوقع مع وجود حلفاء آخرين لإيران تستطيع من خلالهم كسر القيود المفروضة عليها .
المطلب الثالث : سيناريو تجدد المواجهة العسكرية واتساع نطاقها
يبدو أن المواجهات العسكرية بين إيران من جانب و الولايات المتحدة الأمريكية ومعها إسرائيل قد دفعت جميع الأطراف إلى مزيد من التشدد ورفع سقف المطالب، فإلى جانب الإصرار الأمريكي على تجميد إيران لبرنامجها النووي بشكل كلي باتت الولايات المتحدة تضع شروطاً أخرى بجانب هذا الشرط وهي تحييد "التهديد الصاروخي البالستي" ووقف "أنشطة زعزعة الأمن الإقليمي"، ويتماشى هذا مع ما تطالب به إسرائيل، بالمقابل ترفض إيران إدراج أي ملف في المفاوضات بخلاف الملف النووي كما ترفض التخلي عن تخصيب اليورانيوم وتعده حقاً قانونياً بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي التي صادقت على الانضمام إليها في العام 1970، بل وبرز تيار من الأصوليين يطالب بالمضي قدماً نحو إنتاج السلاح النووي على أساس أن الدول التي تمتلك سلاحاً نووياً لا يمكن هزيمتها عسكرياً أو تغيير نظامها السياسي من الخارج بالقوة، كما أن طهران تلوح بالخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي والذي يعني - في حال إقراره- أن الباب مفتوح أمام إنتاج طهران للسلاح النووي إذا ما اتُخذ قرار بذلك ، لذلك ففي ظل استمرار الضغوطات و الحصار من طرف الولايات المتحدة الأمريكية تلوّح طهران وقادتها العسكريون بالاستعداد لجولة جديدة أشد عنفاً مع تحذيرات من أن أي هجوم جديد قد يدفع بالصراع إلى نطاقات جغرافية أوسع خاصة مع التهديدات الإيرانية باستهداف البنى التحتية الإقليمية وكابلات الإنترنت البحرية ومراكز البيانات وخطوط الملاحة في مضيق هرمز، كما أن هناك مؤشرات عديدة عن احتمالية امتداد ساحات الصراع إلى مناطق جديدة مثل القوقاز وآسيا الوسطى على خلفية التنافس حول الممرات الإستراتيجية وعلى رأسها ممر زنغزور شمالا على الحدود الإيرانية الأرمينية الأذربيجانية ، وقد يحدث ذلك في ظل التوجس الإيراني من النفوذ الأمريكي على الحدود الشمالية انطلاقا من الدور الذي تلعبه واشنطن في ممر زنغزور الاستراتيجي بحجة المساهمة في استمرار السلام بين أرمينيا وآذربيجان، ويشكل ممر زنغزور طريقا بريا إستراتيجيا يربط أذربيجان بإقليم نخجوان التابع لها لكنه منفصل جغرافيا عنها عبر الأراضي الأرمينية، وبالتالي فإن الممر سيصل أذربيجان بإقليم نخجوان عبر أرمينيا وصولا إلى تركيا متجاوزا الأراضي الإيرانية التي كانت في السابق هي صلة الوصل بين الطرفين وهذا يعني إضعافا لدور إيران الحيوي هناك .
المبحث الثاني : أبرز الملفات التي ستحكم مستقبل الصراع الأمريكي الإيراني
في ظل الصراع المستمر بين الولايات المتحدة الأمريكية و إيران ستظل ظلت العلاقات بين الطرفين محكومة بحزمة من الملفات العالقة والمعقدة التي تعثرت معها جولات التفاوض رغم توقيع مذكرة تفاهم أولية لخفض التوتر في منتصف شهر يونيو من العام 2026.
المطلب الأول : الملف النووي الإيراني
اعتبر الاتفاق النووي الذي تم إبرامه في العام 2015 خلال عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما بين إيران من جهة والدول الخمس - الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا و ألمانيا وروسيا- إنجازا كبيرا وخطوة متقدمة في محاولة احتواء إيران وجعل برنامجها النووي تحت إشراف ومراقبة المجتمع الدولي، إلا أن تغيير الإدارة الأمريكية بوصول دونالد ترامب إلى السلطة في العام 2017 أحدث تغييرا كبيرا حيث تعالت الأصوات داخل الإدارة الجديدة مطالبة بإلغاء الاتفاق النووي باعتباره أسوأ صفقة دخلت بها الولايات المتحدة الأمريكية مع أكبر دولة راعية للإرهاب وأحد محاور الشر في العالم من وجهة النظر الأمريكية، وتعاظمت الدعوات المطالبة بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران إثر قيام الأخيرة بإجراء اختبارات لصواريخ باليستية اعتبرتها الإدارة الأمريكية خرقا وانتهاكا لبنود الاتفاق النووي، ويضاف إلى ذلك إدراك دونالد ترامب بعدم جدوى الاتفاق في الحد من سلوك إيران المزعزع للاستقرار في المنطقة، بل وعلى العكس من ذلك فقد أتاح الاتفاق لإيران كسب الوقت للتخفيف من شدة العقوبات الاقتصادية عليها وأخذت تتمدد بقوة في المنطقة من خلال دعم حلفائها في لبنان و العراق وسوريا و اليمن و في فلسطين المحتلة ، وقد ظلّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقلّل من أهمية الاتفاق النووي الذي عقدته إيران مع القوى الدولية الكبرى ، وبعد أحد عشر شهرا من توليه منصب رئيس الدولة رسميًّا بالولايات المتحدة الأمريكية في 20 يناير من العام 2017، أعلن في 16 ديسمبر من العام 2017 عن إستراتيجية الأمن القومي لإدارته وجاء فيها أن" إيران استفادت من النزاعات الإقليمية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وانعدام الاستقرار فيها، حتى توسع تأثيرها لتهدد الدول المجاورة لها، وقد حدث ذلك إثر ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، واستغلال الفراغ الذي أحدثته إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وعقدت صفقة كارثية وضعيفة وغير مفهومة وسيئة مع إيران، وسمحت للإرهابيين مثل داعش بالسيطرة على أجزاءٍ واسعة من الأراضي في مُختلف أنحاء الشرق الأوسط، وتجلى ذلك أيضًا في دعم أنظمة مارقة تهدد الولايات المتحدة وحلفاءنا، نواجه منظمات إرهابية وشبكات إجرامية عابرة للحدود الوطنية وغيرهم ممن ينشرون العنف والشر في مختلف أنحاء العالم، ولمعاقبة إيران ومنع طريقها إلى سلاح نووي، فرضت على قوات الحرس الثوري الإيراني عقوبات بسبب دعمها للإرهاب، ورفضت التصديق على صفقة إيران أمام الكونغرس" كما أعلن ترامب، في 8 ماي من العام 2018 عن "انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي مع إيران وإعادة فرض أقسى العقوبات الاقتصادية على النظام الإيراني" ، " والانسحاب من الاتفاق يأتي لعدم نجاحه في وقف أنشطة طهران المزعزِّعة للاستقرار ومساعيها للحصول على سلاح نووي وردعها عن متابعة برنامجها للصواريخ الباليستية" ، و في الوقت الذي تصر فيه واشنطن على تفكيك جوانب من البرنامج النووي الإيراني وإزالة مخزون اليورانيوم فإن طهران تتمسك طهران بحقوقها ومشروعية برنامجها النووي، وقد اتسمت مواقف ترامب تجاه إيران بالجِدية، كما اكتسبت مصداقية مع شروعه في تحويلها إلى سياسات واقعيه بدايةً من الانسحاب من الاتِّفاق النووي ثم استعادة كامل العقوبات على إيران، الأمر الذي أعطى الإستراتيجية زخماً وتأثيرا نفسيًّا كبيرا، فقبل الانسحاب من الاتِّفاق النووي خلقت تصريحات ترامب ومواقفه أجواء من الشك أخذتها العديد من الدول والكيانات الاقتصادية العالمية في الحسبان، ومِن ثَمَّ حرم هذا الَأمر إيران من الاستفادة الكاملة من الاتِّفاق ، أما بعد الخروج من الاتِّفاق النووي فقد تراجعت الصادرات النِّفْطية الإيرانيَّة خاصة بعد أن دعت الولايات المتحدة الأمريكية دول العالم والشركات والبنوك إلى إنهاء معاملاتها مع إيران، مع إطلاق تهديدات واضحة لهذه الأخيرة في حال سعيها إلى تخصيب اليورانيوم ، كما فرضت إدارة دونالد ترامب عقوبات على صادرات النفط والبتروكيماويات والمعادن لحرمان إيران من عوائد تجارتها الخارجية ، ونتيجة لذلك خرجت العديد من الشركات الكبرى من السوق الإيرانيَّة، وأغلبها شركات عاملة في قطاعات محورية للاقتصاد الإيرانيّ كالنِّفْط والغاز والطيران والبنوك والتأمين والنقل البحري والصناعة، وفي جانب آخر وقفت شركات أخرى تعاقدات سابقة مع إيران بمليارات الدولارات، كما قفز سعر الدولار الأمريكي أمام التومان الإيرانيّ في السوق الموازية بنسبة ارتفاع فاقت 110 %، من 4200 تومان للدولار في نهاية ديسمبر من العام 2017إلى 9000 تومان للدولار الواحد في الرابع والعشرين من يونيو من العام 2018 ، ثم وصل إلى 20 ألف تومان في شهر غشت من نفس السنة ، ثم انخفض واستقر نسبيًّا عند سعر 15 – 13 ألف تومان للدولار الواحد، و خلال ديسمبر من العام 2018 وصل إلى 10500 تومان، كما أن نسب التضخُّم في البلاد وصلت حسب بعض التصريحات الرسميَّة إلى قرابة 35 %، وبعض السلع الاستهلاكية من الموادّ الغذائية تضاعفت قيمتها بنسبة 400 %، كما لعبت العقوبات الأمريكية على قطاع الطاقة في إيران أهمية بالغة في الإستراتيجية الأمريكية لأن النِّفْط والمنتجات النِّفْطية تشكِّل 70 % من إجمالي صادرات إيران ، و نتيجةً لهذه الأوضاع زادت نسبة التذمُّر وعدم الرضا الشعبي نتيجة سياسات النِّظام وعدم تقديم حلول حقيقية للمطالب المتكررة للمجتمع والمشكلات التي يعاني منها خاصَّة في مجال تضخُّم الأسعار والبطالة وعدم دفع كثر من المؤسسات والشركات شبه الحكومية رواتب موظفيها، علاوة على ارتفاع سعر العملة الأجنبية وشُحِّها، واستمرار النِّظام في إنفاق الأموال على الميليشيات التابعة له في المنطقة على حساب الداخل الإيراني ، ويقف وراء إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على منع إيران من الحصول على قنبلة نووية ثلاثة أسباب رئيسية وهي :
- تعي الولايات المتحدة الأمريكية بأن حصول إيران على القنبلة النووية يعني تحول منطقة الشرق الأوسط إلى ساحة للسباق النووي لأن دولا إقليمية أخرى في المنطقة كمصر و المملكة العربية السعودية وترکيا ستسعى بدافع شعورها ﺑﺎلتهديد وبرغبتها في ردع القوة الإيرانية إلى امتلاك قدرات نووية سواء في السر أم في العلن .
- تحول إيران إلى دولة نووية ﺑﺎلتزامن مع عداء نظامها السياسي الشديد للغرب بصفة عامة وللولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة، يعني صعود إيران کدولة إقليمية کبرى تتحدى مصالح الدول الغربية في الشرق الأوسط. بمعنى آخر، سيؤدي امتلاك إيران للقدرة النووية إلى تقوية نفوذها الإقليمي في المنطقة، بل وسيشجعها على السيطرة على مضيق هرمز وعلى منطقة الخليج العربي أيضا بما يِمثله ذلك ﺗﻬديد مباشر لتدفّق النفط إلى الدول الغربية، ﺑﺎلإضافة إلى ذلك إيران نووية تعني تحولها إلى دولة أکثر عدائية اتجاه الدول اﻟﻤﺠاورة لها بما يعنيه ذلك من عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
- أن إيران النووية تمثّل مصدر ﺗﻬديد وجودي لإسرائيل، فإيران ترفض الاعتراف بإسرائيل وتتبع سياسات ولغة عدائية ضدها منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية وحتى الآن، وقد تشجع القوة النووية الإيرانية إلى أن تتّبع طهران سياسات أکثر عدائية ضد إسرائيل، بل وقد تصبح مظلة نووية لحزب لله وحماس في صراعهما مع إسرائيل ، فإيران ترى في إسرائيل السرطان الذي لا بد من إزالته وقد سبق للمرشد العام للثورة الإيرانية علي خامنئي أن هدد مرارا بأن " كل من هو في حالة حرب مع النظام الصهيوني يمكنه الاعتماد على مساعدة إيران" .
- أن إيران كدولة إقليمية تسعى للتأثير على مجريات الإحداث الحاصلة في المنطقة، لذلك توجد في قائمة الدول التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من اجل تفويض دورها الإقليمي ومحاصراتها ومنعها من الحصول على سلاح نووي قد يزبد من هيمنتها في المنطقة .
في مقابل الإصرار الأمريكي على منع إيران من تطوير برنامجها النووي ترى الأخيرة من جهتها أن النجاح في تطوير برنامجها النووي سيكون وسيلتها الوحيدة و الأساسية للتعامل بندية مع الدول الكبرى على الساحة العالمية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وموازنة القوة النووية الإسرائيلية من جهة، وسيساهم في تحقيق أهدافها على الساحة الإقليمية ومد نفوذها إلى ساحات بحرية أوسع من جهة ثانية .
المطلب الثاني: أمن الملاحة ومضيق هرمز
إلى جانب هذا التطور المتمثل في الهجمات الأمريكية المباشرة على إيران جاء في 28 فبراير من العام 2026 حدثٌ غير مسبوق تمثل في إغلاق مضيق هرمز من طرف إيران، مما جعل الاقتصاد العالمي رهينةً لهذا الوضع، ففي كل أزمة سابقة كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تلوّح بالتهديد باتخاذ مثل هذه الخطوة غير أن تلك التحذيرات بالإغلاق لم تكن يوماً تُترجم إلى واقعٍ فعلي ، فلطالما شكل مضيق هرمز شريانا حساسا للاقتصاد العالمي، و إيران تدرك جيدا أنها تملك في هذا الممر ورقة ضغط إستراتيجية تستخدمها كلما شعرت بأن خياراتها تضيق كما وقع في الهجمات الأمريكية الأخيرة حيث لجأت إلى تنفيذ تهديداتها وأغلقت مضيق هرمز في وجه التجارة الدولية، ففي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن جاهدة تأمين حركة السفن التجارية والنفطية فإن إيران تلجأ إلى تهديد الملاحة كأداة ضغط إستراتيجية، وقد أدّت الجغرافيا دوراً كبيراً في نجاح إيران وفي عرقلة الولايات المتحدة الأمريكية، فمعلوم أن إيران تسيطر على الشاطئ الشمالي والشرقي للخليج الفارسي بما في ذلك مضيق هرمز بالغ الأهمية، و هذا يمنحها قدرة دائمة على تهديد الملاحة البحرية عند واحد من أكثر الممرات الحيوية أهميةً للاقتصاد العالمي، وتُضاعف التضاريس الجبلية في جنوبي إيران هذه الميزة إذ تتيح لإيران إخفاء مواقع صغيرة متعددة لتخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة وإطلاقها، وهذه القدرة تمثل تهديداً دائما يمكن احتواؤه ولا يمكن إزالته ما دامت الجمهورية الإسلامية في السلطة، والآن وقد أرست طهران هذه السابقة فقد بات لزاماً القبول عملياً بما كان معروفاً على نطاق واسع من الناحية النظرية: إذ يمكن لإيران في المستقبل المنظور أن تهدد بإغلاق المضيق مجدداً كلياً أو جزئياً لانتزاع تنازلات من خصومها وسيقيد ذلك بقوة قدرة واشنطن للضغط على الجمهورية الإسلامية .
المطلب الثالث: أمن دول الخليج
على مدى عقود هيمنت المنافسة بين دول الخليج وإيران على منطقة الشرق الأوسط، فقد اتهمت دول الخليج الملكيةُ الجمهوريةَ الإسلاميةَ بمحاولة بسط سيطرتها على المنطقة وتصدير ثورتها ودعم جهات فاعلة من غير الدول، وفي السنوات الأخيرة، سعى القادة -الذين يعدون صغار السن نسبياً ويتسمون بالجرأة والحزم- في كل من قطر وعُمان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، إلى تنويع اقتصاداتهم وتقليل الاعتماد على النفط وجذب الاستثمارات الخاصة والأجنبية وترسيخ مكانة بلدانهم كمراكز إقليمية وعالمية في مجال التقنيات الناشئة، وهذه الرؤى الطموحة للإصلاح الاقتصادي تتطلب الاستقرار السياسي، وفي هذا السياق شرعت دول الخليج في مسار تدريجي نحو التهدئة والتقارب مع إيران واستأنفت العلاقات الدبلوماسية معها، كما مارست هذه الدول ضغوطاً على إدارة دونالد ترامب للحيلولة دون شنّ هجوم أمريكي على إيران ، لكن الأمور سرعان ما سارت في الاتجاه المعاكس فما هي إلا ثلاث ساعات أو أقل من شن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، في 28 فبراير من العام 2026 لضربات عسكرية واسعة النطاق على الأراضي الإيرانية حتى ردت طهران بهجمات انتقامية استهدفت جيرانها من دول مجلس التعاون الخليجي، وقد ساق المسؤولون الإيرانيون مبررات لهذه الهجمات زاعمين أنها اقتصرت على استهداف القواعد العسكرية الأمريكية المتواجدة على أراضي دول المجلس، والتي يدعى أن الهجمات ضد إيران قد انطلقت منها أو حظيت بتسهيلات عبرها، وجاء هذا التصعيد الإيراني على الرغم من التأكيدات المتكررة الصادرة عن دول مجلس التعاون الخليجي في الأسابيع التي سبقت النزاع بأن أراضيها ومجالها الجوي لن تستخدم تحت أي ظرف من الظروف لتسهيل أو شن أي هجمات ضد دول أخرى، وعلاوة على ذلك وفي حين ادعت طهران أن صواريخها وطائراتها المسيرة لن تضرب سوى الأهداف العسكرية إلا أن الغالبية العظمى من هجماتها طالت البنية التحتية المدنية بما في ذلك المطارات والفنادق ومنشآت النفط والغاز الحيوية في جميع أنحاء المنطقة، كما لوحت إيران بتهديدات باستهداف البنوك والمؤسسات التعليمية المرتبطة بمستثمرين أو مساهمين أمريكيين، وفي معرض الرد على هذه الهجمات سارعت دول مجلس التعاون الخليجي إلى تطبيق حزمة من التدابير الاحترازية تمثلت في إغلاق المجال الجوي وتعليق الرحلات الجوية التجارية والأنشطة العامة والتحول نحو أنظمة العمل والتعليم عن بُعد. كما أجبرت العديد من شركات النفط والغاز على إعلان "حالة القوة القاهرة" إثر تعرضها لاستهداف مباشر، مما اضطرها إلى وقف عملياتها التشغيلية لحين انتهاء الأعمال العدائية، وفي السياق ذاته أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى تقييد الحركة التجارية وأسواق الطاقة مما أسفر عن تداعيات سلبية على إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية القادمة من دول الخليج وتسبب في الوقت عينه بنقص عالمي حاد في إمدادات المواد الحيوية مثل الأسمدة والهيليوم وغيرها من المواد الإستراتيجية، كما طالت الاضطرابات قطاعات رئيسية أخرى كقطاع التعليم والنقل والسياحة والعقارات ، وجاء استهداف إيران للبنية التحتية في بعض دول الخليج بعد انتقال الولايات المتحدة إلى استهداف البنية التحتية وقطاع النقل والطرق والجسور داخل إيران، ويشير ذلك بوضوح إلى أن طهران تتعامل وفق مبدأ الشيء بالشيء وتسعى إلى تثبيت معادلة ردع مفادها أن استهداف البنية التحتية الإيرانية سيقابله استهداف فوري مماثل للبنية التحتية في دول الخليج التي تستضيف أو تدعم العمليات الأمريكية، ويؤشر هذا التحول إلى مستوى مرتفع من التصعيد ينقل المواجهة إلى استهداف قطاعات مدنية وحيوية وليس الأهداف العسكرية فقط، وإذا استمر هذا النمط من التصعيد واتسعت دائرته فإن تداعياته على ضفتي الخليج ستكون كبيرة ، وقد كشفت الإستراتيجية الإيرانية عن اعتماد واضح على منطق الحروب غير المتكافئة، فإدراكا للفجوة في ميزان القوة التقليدية تميل طهران إلى تبني إستراتيجية الاستنزاف الطويل بدل المواجهة الحاسمة، فالضربات المتواصلة ومنخفضة الوتيرة واستهداف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة يعكسان هران إيران على عامل الزمن وعلى حساسية الخصم للخسائر السياسية والاقتصادية، كما تشمل الأبعاد العسكرية للصراع تطوير إيران لبرامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة إضافة إلى قدراتها في الحرب في الحرب غير المتكافئة عبر دعم الحلفاء التقليديين ، ففي ظل الصراع المستمر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تجد دول الخليج نفسها في قلب التداعيات المباشرة مما يدفعها لتعزيز جاهزيتها الأمنية والدفاعية تحسباً لأي طارئ، فقد أعادت الحرب الأمريكية على إيران، والتي هدفت إلى إحداث تغيري جذري فيها، سواء بإسقاط النظام أو إخضاعه، تشكيل البيئة الأمنية في منطقة الخليج واضعة إياها في قلب أزمة مركبة تهدد استقرار دولها وأمن الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة العالمية، فمع اندلاع شرارة الحرب بادرت إيران إلى تنفيذ سلسلة من الهجمات شملت دول الخليج، وتمثل الرد الإيراني في إطلاق صواريخ بالستية وصواريخ كروز ومسيرات ضد مواقع ومنشآت عسكرية ومدنية واقتصادية في إطار إستراتيجية تهدف إلى رفع تكلفة المواجهة على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وإحداث صدمة في الاقتصاد العالمي مما يسهم في الضغط في اتجاه وقف العمليات العسكرية ، وبذلك أصبحت دول الخليج جزءا لا يتجزأ من مسرح العمليات المتأثر بالصراع بفعل موقعها الجغرافي ضمن منظومة الطاقة العالمية وارتباطها الوثيق بشبكات التجارة الدولية إلى جانب شراكاتها الإستراتيجية الأمنية و العسكرية، وفضلت على الرغم من تعرضها المباشر للهجمات الإيرانية إتباع نهج حذر يحقق التوازن بين الدفاع عن نفسها وتفادي الانجرار إلى مواجهة شاملة مع إيران، فعلى الرغم من خطورة الأزمة واصلت دول الخليج التأكيد على أن الحل الدبلوماسي هو الخيار المفضل، ودعا قادة المنطقة إلى وقْف إطلاق النار وتعزيز الحوار واستئناف المفاوضات، ويعكس هذا النهج الحسابات الإستراتيجية إلى جانب التزام دول الخليج بالقانون الدولي، وقد رحَبت وزارة الخارجية السعودية باعتماد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 الذي اقترحته دول الخليج والأردن والذي يُدين هجمات إيران على دول الخليج والأردن، باعتبارها انتهاكات للقانون الدولي وتهديدًا للسلام الدولي، وأدان البيان استهداف المناطق المدنية، وطالَبَ إيران بوقف هجماتها فورًا، مؤكِّدًا في الوقت نفسه حق دول الخليج في الدفاع عن أمنها وسيادتها وفقًا للمادَّة 51 من ميثاق الأُمم المتحدة، وباختصار يقوم "ضبْط النفس الإستراتيجي" الذي تنتهجه دول الخليج على الإجراءات الدفاعية والتنسيق الدبلوماسي والاعتماد على الآليات القانونية الدولية، ويأخذ هذا النهج في الاعتبار المصالح العامَّة الداخلية والحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وضمان أمن طُرُق التجارة العالمية، ويُظهِر كل ذلك دور دول الخليج بصفتها أطراف فاعلة في النظام الإقليمي أثناء الأزمات إذ تعطي الأولوية للاستقرار والأمن من خلال توفيقها بين مصالحها الوطنية ومصالح المجتمع الدولي .
مثلت هذه الحرب تحديا غير مسبوق لدول الخليج حمل في طياته تهديدات أمنية مباشرة وغير مسبوقة لدول الخليج، مع توّقّع استمرار تداعياته حتى بعد انحسار حدة الصراع وبذلك تعود مسألة أمن الخليج إلى الواجهة بوصفها سؤالا وجوديا لا مجموعة من التساؤلات العابرة ، ما يفرض التفكير في مقاربات جديدة وغير تقليدية لحماية أمن المنطقة وضمان استقرارها المستقبلي خاصة في ظل تنامي الإدراك بأن الاعتماد على المنظومات و البنى الأمنية القائمة لم يعد كافيا لمواجهة التحديات الناشئة ،ومع أن نتائج الحرب الأمريكية على إيران وتداعياتها على دول الخليج العربية لم تتبلور كلياً بعد خصوصاً مع تعذّر الحسم العسكري أو التوصل إلى اتفاق بعد الجولة الثانية من الصراع فإن دول الخليج قد تكون مستقبلا أمام تداعيات هائلة قد تكون على شكل اضطرابات أو عدم استقرار خاصة مع احتمال عودة الهيمنة الإيرانية وعدم حسم المعركة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك فإن الخطط الخليجية المتمثلة في التحول إلى مركز ثقل سياسي ومالي على مستوى المنطقة والعالم قد تصبح مهددة إذا لم تسارع هذه الدول إلى إعادة تعريف مصالحها في إطار مشروع عربي أوسع في مواجهة مشاريع الآخرين، والتحديات التي تفرضها هذه المشاريع وهي بالتأكيد كثيرة وكبيرة ، ففي ظل هذه الصدمة، لا تحتاج الدول الخليجية إلى مراجعة إستراتيجيّاتها الجيوسياسية والأمنيّة فحسب بل سياساتها الاقتصادية أيضاً، ما يستدعي إعادة تقييم العلاقات الاقتصادية العالمية والتعاون الاقتصادي الإقليمي، وفضلاً عن تعزيز الاكتفاء الذاتي والمرونة في مجال الاقتصاد وفي المدى القريب يتعين على دول الخليج تخطّي الخلافات الداخلية وتنسيق الجهود للحد من تداعيات الضربات العسكرية الإيرانية على الصناعات المحلية والمخزونات الإستراتيجية والخدمات اللوجستية في المنطقة .
خاتمة
انطلاقا مما سبق تشير قراءة مجمل التطورات السياسية والعسكرية حتى الآن إلى أن الأزمة الأمريكية – الإيرانية لم تعد تدور في أذهان أطرافها حول اتفاق سياسي قابل للحياة أو حول حرب شاملة حتمية وإنما أصبحت هذه الأطراف تتحرك داخل مساحة رمادية تتداخل فيها الضغوط العسكرية مع المسارات الدبلوماسية، ويحاول خلالها كل طرف تحسين موقعه التفاوضي وتعظيم مكاسبه الإستراتيجية عبر استخدام القوة بصورة محسوبة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا يمكن السيطرة على نتائجها إلى حين وصول أطراف الصراع لما سماه عالم التفاوض الأمريكي وليام زارتمان بمفهوم " الجمود المؤلم الدائم" و الذي يصف اللحظة التي يدرك فيها أطراف الصراع أن كلفة الاستمرار فيه تفوق أي مكسب محتمل وهو ما يدفعهم مضطرين للبحث عن التسوية، غير أن التجارب الدولية كسباق التسلح النووي بين الهند وباكستان الذي استقر في النهاية على توازن رعب متبادل بدلا من الحرب الشاملة تؤكد أن" الجمود المؤلم" قد يطول لسنوات متخللا جولات تصعيد خطيرة قبل نضوج أي تسوية كبرى، ومع تبلور السيناريوهات السابقة الذكر يتأكد أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة اشتباك بالوكالة بل بات المختبر الحقيقي الذي يعاد فيه اختبار نظريات الردع و تدشن فيه توازنات نظام إقليمي ودولي جديد لن تكون قواعده شبيهة بما سبقه .
لائحة المراجع
بالعربية
- عمرو دراج محمود جمال، مستقبل الحرب على إيران، تقدير موقف، المعهد المصري للدراسات، 17 يوليوز 2026، على الرابط :
https://eipsseg.org/%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84
- زينة عبد الأمير عبد الحسن إبراهيم، آفاق الاتفاق النووي الإيراني وأثره على دورها الإقليمي المستقبلي، مجلة كلية القانون و العلوم السياسية، الجامعة العراقية، العدد 24، أبريل 2024.
- آريان م. تاباتاباي ، النقاش حول الأمن القومي في إيران، التداعيات على المفاوضات الأمريكية – الإيرانية المستقبلية، مؤسسة راند Rand ، سانتا مونيكا،أ كتوبر 2019.
- مروان قبلان، التداعيات الجيوسياسية للحرب على دول الخليج العربي، مجلة الدراسات الفلسطينية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت، لبنان، العدد 147، صيف 2026.
- طارق مصطفى القزق، الصراع الأمريكي الإيراني: الأيديولوجيا والأهداف والسيناريوهات المحتملة، المركز الديمقراطي العربي، برلين، ألمانيا، 7مارس 2026 على الرابط : https://democraticac.de/?p=108895
- دانيلَ بايمان ، شاهرام شوبين ، أنوشيرافان إحتيشامي، جيرولد د. غرين، سياسات إيران الأمنية في حقبة ما بعد الثورة، مؤسسة راند RAND، سانتا مونيكا، 2001.
- توماس جونو، لماذا فشلت الولايات المتحدة في هزيمة إيران وما يعنيه ذلك لمحور المقاومة؟، مركز صنعاء، 28 يونيو 2026، على الرابط :
https://sanaacenter.org/ar/publications-ar/perspectives-and-analyses-ar/27696
- شريف هريدي، مُستقبل التفاوض النووي بين إيران والغرب بعد حرب الـ12 يوماً، مركز المستقبل للأبحاث و الدراسات المتقدمة، 7 غشت 2025، على الرابط :
https://www.futureuae.com/arAE/Mainpage/Item/10363/%D9%81%D8%B1%D8%B5-
- محمد نون، من هرمز إلى زنغزور: ساحة الصراع الأمريكي الإيراني تستعر، القدس العربي، 17 أكتوبر 2026، على الرابط :
https://www.alquds.co.uk/%D9%85%D9%86
- حسن مشتت طريو، هيثم كريم صوان، الإدارة الأمريكية ومستقبل الاتفاق النووي الإيراني " بين مشهد الإلغاء وتشديد العقوبات الاقتصادية "، مجلة المستنصرية للدراسات العربية و الدولية، المجلد 14، العدد 60، 2017.
- ادريس لكريني، مستقبل الملفّ النّووي الإيراني ما بعد ترامب، مجلة الدراسات الإيرانية، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، السنة 3، العدد9، ابريل 2019.
- مثنى علي المهداوي، العلاقات الإيرانية – الأمريكية بعد الاتفاق النووي، مجلة العلوم السياسية، جامعة بغداد، العراق، العدد 56، دجنبر 2018.
- خضير عباس النداوي، العلاقات الإيرانية – الأميركية: المتغيرات والمسارات، تقرير مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، قطر، 6 ماي 2019.
- پاتريك كلاوسون، الاقتصاد الإيراني في حالة ركود حتى قبل إلحاق الضرر به من قبل العقوبات الأمريكية الجديدة، معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى، أكتوبر 2018.
- محمود حمدي أبو القاسم محمد ، أثير العامل الإيديولوجي على العلاقات الأمريكية الإيرانية بعد توقيع الاتفاق النووي 2015، مجلة البحوث التجارية و المالية، جامعة بورسعيد، المجلد 23، العدد 4، أكتوبر 2022.
- محمود حمدي أبو القاسم محمد، عوامل القوة والضعف في الإستراتيجية الأمريكيَّة تجاه إيران، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، ديسمبر 2018.
- سامح محمد سنجر، موقف إسرائيل من المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة و إيران، مركز الزيتونة للدراسات و الاستشارات، بيروت، لبنان، يوليوز 2025.
- عمار عباس الشاهين، حسن فاضل سليم، نور نبيه جميل، حنين محمد الوحيلي، الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على الجمهورية الإسلامية في إيران: الدوافع، التفاعلات، المواقف، التداعيات المستقبلية،مركز حمورابي للبحوث و الدراسات الإستراتيجية، بغداد، العراق، 9 يوليوز 2015.
- حسن البيضاني، الصراع العسكري في الشرق الأوسط..بين التصعيد وفرض الهيمنة، مجلة حمورابي، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية، العراق، السنة 7، العدد 30، ربيع 2019.
- محمد الصالحين الهوني، هل يمكن الوثوق بإيران؟ التجارب لا تشجع على التفاؤل، صحيفة العرب، السنة 48 العدد 13767، الأربعاء 25 مارس 2026.
- سينيم جنكيز، نسيبة هجرت بطال أوغلو، فرح القواسمي، الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على أمن دول مجلس التعاون الخليجي، ترجمة سامي حسن عرار، تقرير مركز دراسات الخليج، جامعة قطر، تقرير6، مارس 2026.
- سلطان محمد الشهواني، انعكاسات الصراع الأمريكي – الإسرائيلي – الإيراني على الأمن الخليجي، مجلة المعرفة، العدد 37، مارس 2026.
- إدارة التحرير ردود فعل دول الخليج على هجمات إيران..ضبْط النفس الإستراتيجي في خِضَمْ التصعيد، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، 26 مارس 2026، على الرابط:
https://rasanah-iiis.org/%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%AF-
- ورقة مرجعية، أمن الخليج والحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، منتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية، الدورة 13 ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر، نونبر 2026.
- فريديريك شنايدر، آثار ما بعد الصدمة: الحرب الإسرائيلية – الإيرانية وتداعياتها على دول الخليج، مذكرات سياسية، مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، الدوحة، قطر، يوليوز 2025.
باللغات الأجنبية
- Laure Foucher , La guerre israélo-américaine contre l’Iran : questions à Laure Foucher, Fondation pour la recherche stratégique (FRS), Note de la FRS, N°09/2026, 03 mars 2026.
- Clayton Thomas , Christopher M. Blanchard , Jeremy M. Sharp , Co Jim Zanotti ,U.S. Conflict with Iran, CRS Report, Congressional Research Service, March 26, 2026.
-Gawdat Bahgat,la guerre des Etas – Unis et Israel contre l’ Iran une évaluation préliminaire, afkar/idées , Printemps 2026 .
Anthony H. Cordesman, Analyzing the Impact of Preventive Strikes Against Iran’s Nuclear Facilities, Center for Strategic International Studies ,September 2012.
- Amélie Chelly, Iran-Israel-USA : la guerre des imaginaires, Le Rubicon, Montréal, Canada, vol. 6, 7 octobre 2026 .
المركز العربي للبحوث والدراسات
يرى المركز العربي للبحوث والدراسات ان هذه الورقة البحثية تقدم قراءة عميقة وواقعية لسيناريوهات الصراع الأمريكي - الإيراني، خصوصاً في تفكيكها لآليات الردع المتبادل ومفهوم "اللاحرب واللاسلم" الذي بات يحكم الإقليم بعد مخاضات عام 2026؛ غير أن المركز يرى أن المقاربة الاستراتيجية المصرية لطبيعة هذا الصراع لا تنفصل أبداً عن خط أحمر راسخ يتعلق بالأمن القومي العربي الشامل وبأمن الملاحة الحيوية في قناة السويس والبحر الأحمر، حيث إن أي عبث إيراني بأمن الخليج أو محاولات لفرض وقائع جيوسياسية جديدة عبر الميليشيات والممرات المائية لا يهدد الخليج وحده، بل يمس مباشرة المصالح الحيوية والاقتصادية المصرية ويقوض استقرار الإقليم بأكمله.
وعلى الصعيد الآخر، بقدر ما تبدو طهران متماسكة في استراتيجيتها الدفاعية "الفسيفسائية" وقدرتها على امتصاص الصدمات واستنزاف الخصوم، إلا أن التعويل الإيراني المستمر على سياسة حافة الهاوية وإغلاق المضائق يغفل حقيقة أن الدولة المصرية تتبنى ثوابت صارمة في رفضها التام لتحويل الأراضي والعلاقات العربية إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية أو الدولية؛ ومن هنا فإن المخرج الحقيقي لأزمات المنطقة لا يمكن أن يُبنى على معادلات الهيمنة أو "الجمود المؤلم" طويل الأمد، بل يستوجب بالضرورة صياغة إطار أمني عربي مشترك يعيد الاعتبار للدولة الوطنية، ويغلق الباب أمام أية مشاريع إقليمية توسعية تهدد استقرار الشرق الأوسط وسلامة مقدرات شعوبه.

