جديد المركز
سيناريوهات مستقبلية لما قد يحدث في الصراع الأمريكي الإيراني الحوثيون في شبكة الفاعلين الإقليميين و"محور المقاومة": الصراع الإيراني الإسرائيلي وتحولات الأمن في البحر الأحمر ارتفاع الدولار من 50 إلى 56 جنيها.. كيف تتأثر أسعار السلع في مصر؟ الشرق الأوسط على حافة «اللاحرب واللاسلم»: سيناريوهات المرحلة التالية من المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران الدول العربية المعاصرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: من ضرورات البقاء إلى التحديث. الحوثيون في شبكة الفاعلين الإقليميين و"محور المقاومة": الصراع الإيراني الإسرائيلي وتحولات الأمن في البحر الأحمر كواليس مفاوضات طهران وجهود "ميثاق مكة": قراءة استراتيجية في مآلات الصراع الإقليمي وتداعياته إثيوبيا على صفيح ساخن.. تصعيد عسكري واسع في تيجراي وأمهرة ومخاوف مصرية من امتداد رقعة التوتر الإقليمي من استهداف رجال الأمن إلى إباحة دم المدنيين: هل تغيّرت فتوى الإرهاب في الأردن؟ لوفيجارو: مظاهرات وديون... انفراجة محدودة للسلطة التنفيذية التي تتقاذفها الأزمات
 
  المركز العربي
للبحوث والدراسات
أسسه
عبد الرحيم علي

رئيس مجلس الإدارة  
خالد علي
ads
مستشار المركز: محمود حامد
المدير التنفيذي: حسام الحداد
رئيس المركز: عادل الضوي
حسام الحداد
حسام الحداد

الشرق الأوسط على حافة «اللاحرب واللاسلم»: سيناريوهات المرحلة التالية من المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران

الأحد 01/نوفمبر/2026 - 09:18 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات
الملخص التنفيذي
تبحث هذه الورقة في مسارات الإقليم خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة، في ظل مواجهة تدخل شهرها الثامن بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وتفترض أن المرحلة المقبلة لن تحسم الصراع، وأن الأرجح هو مزيج من ضربات محدودة تعقبها مساومة قسرية، يدور محورها حول مضيق هرمز والمواقع النووية المتبقية. وتخلص إلى أن العرب، وبخاصة دول الخليج، يتحملون الكلفة الاقتصادية الأكبر دون أن يتحكموا في مسار القرار. وتوصي بتنسيق خليجي لتأمين الملاحة، وتنويع منافذ التصدير، والانخراط في المسار الدبلوماسي عبر الوساطات القائمة، وبناء مخزونات وآليات مالية لاحتواء الصدمات.
الشرق الأوسط على
 المقدمة 
اندلعت المواجهة في 28 فبراير 2026 بضربات أميركية وإسرائيلية على إيران. وسبقتها حرب الأيام الاثني عشر في صيف 2025 التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية. ومنذ ذلك التاريخ قُتل المرشد علي خامنئي وتولى نجله مجتبى القيادة، وتعطلت الملاحة في هرمز بدرجات متفاوتة، وتوقفت الضربات الأميركية منذ الأول من سبتمبر. وبحسب التصريحات المنسوبة إلى الرئيس دونالد ترامب في الأول من نوفمبر، فإن إيران «لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً»، وإنها «ترغب في اتفاق وسنرى ما سيحدث»، وإن بلاده «ليست في عجلة من أمرها» بعد تدمير قوات إيران البحرية والجوية ودفاعاتها الجوية. وقال أيضاً إن القدرات النووية «دُمّرت» وإن موقعاً أو موقعين يحتاجان إلى معالجة، وإن التعامل معهما ممكن «خلال عشر دقائق»، وإن استهداف «جبل الفأس» ممكن سريعاً. وامتنع عن مناقشة احتمال استئناف الحرب الأسبوع المقبل.
تكمن الإشكالية في التناقض بين خطاب «الإنجاز العسكري» وواقع لم تُحسم فيه المسألتان اللتان تحددان نهاية الحرب، وهما مصير البرنامج النووي وأمن الممرات البحرية. ويتجه الاتجاه العام إلى أن توقيت القرار الأميركي يخضع لمنطق انتخابي بقدر ما يخضع لمنطق عسكري.
سؤال البحث الرئيسي: ما المسارات المرجحة للإقليم في المدى القريب في ظل الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران، وما انعكاساتها على الدول العربية؟
الأسئلة الفرعية:
1. ما العوامل الداخلية والإقليمية التي تحكم توقيت القرار الأميركي والإسرائيلي؟
2. ما الوزن الاقتصادي لمضيق هرمز في تحديد كلفة الحرب والسلم؟
3. كيف تتوزع المخاطر والفرص على الدول العربية؟

 الإطار التحليلي
تعتمد الورقة منهج تحليل السياسات القائم على السيناريوهات، مدعوماً بمدخلين نظريين.
الأول هو الدبلوماسية القسرية عند توماس شيلينج، التي ترى أن القوة تُستخدم لإقناع الخصم بتغيير سلوكه وليس لهزيمته الكاملة، وأن التلويح بالضربة الإضافية يكون أحياناً أكثر نفعاً من تنفيذها. ويفسر هذا المدخل عبارات «لا عجلة لدينا» و«موقع أو موقعان»، فهي رسائل ضغط موجهة إلى طهران بقدر ما هي وصف للوضع الميداني.
الثاني هو نموذج اللعبة ثنائية المستوى عند روبرت بوتنام، الذي يفترض أن القادة يفاوضون على مستويين في آن واحد، دولياً ومحلياً. وينطبق ذلك على ترامب الذي يواجه انتخابات نصفية في 3 نوفمبر، وعلى نتنياهو الذي خاض انتخابات في 27 أكتوبر، وعلى القيادة الإيرانية التي تحسب كلفة أي تنازل أمام تيارها المتشدد.
وتستند البيانات إلى تقارير صندوق النقد الدولي ووكالات الأنباء الكبرى وبيانات تتبع الناقلات. وتحذر الورقة من أن بعض الأرقام الميدانية، مثل مزاعم الألغام البحرية، متنازع عليها بين الأطراف. وتُعرض الاحتمالات هنا بصورة نوعية دون ترجيحات رقمية، لأن شفافية البيانات العسكرية لا تسمح بها.

1- الأبعاد والبيانات الراهنة
أولاً: المسار العسكري والسياسي. تشير تقارير إلى أن الولايات المتحدة لم تضرب إيران منذ الأول من سبتمبر، وأن ترامب التزم علناً بعدم الهجوم قبل الانتخابات، لكن تقارير تتحدث عن خطة لاستئناف الضربات بعد الانتخابات. وفي المقابل قال وزير الخارجية ماركو روبيو يوم السبت إن الرئيس لم يتخذ قراراً بعد، وإنه يفضّل حلاً دبلوماسياً. وعلى المسار الدبلوماسي عاد وسطاء قطريون إلى طهران في 30 أكتوبر سعياً إلى اتفاق، في حين قال وزير الخارجية الإيراني إن لا خطط لعقد محادثات مع واشنطن. 
وفي الجانب النووي، تصف الرواية الأميركية القدرات بأنها دُمّرت. لكن تقييماً نقلته «سكاي نيوز عربية» عن مصادر أميركية في مرحلة مبكرة من الحرب أشار إلى أن الحرب لم تغيّر كثيراً من قدرات إيران النووية. وهذا يوضح أن «الموقع أو الموقعين» المتبقيين قد يمثلان أكثر من مجرد تفصيل تقني، إذ يرتبطان بمنشآت محصنة تحت الأرض يصعب تقدير ما تبقى فيها بدقة. 
ثانياً: المسار الإسرائيلي. أيّد ترامب نتنياهو علناً في 18 أكتوبر، قبل تسعة أيام من الانتخابات. وألمح نتنياهو إلى أن واشنطن قد تتحرك مجدداً ضد إيران إذا بقي في السلطة. أما نتائج الانتخابات فلم تتضح بعد، إذ أشارت استطلاعات الخروج إلى حالة جمود. ومن ثم فإن أي ضربة جديدة ستتأثر بمفاوضات تشكيل الحكومة الإسرائيلية. 
ثالثاً: المسار الاقتصادي والملاحي. بلغ سعر خام برنت نحو 118.35 دولاراً كأعلى إغلاق في مارس، وكان قبل الحرب قرابة 70 دولاراً. وفي 30 أكتوبر أغلق عقد ديسمبر المنتهي عند 117.64 دولاراً، وهو أعلى مستوى منذ نهاية أبريل، بعد ارتفاع شهري بلغ 13.6 في المئة، وسط ترقب تصعيد بعد الانتخابات الأميركية. 
وسجّل أكتوبر إصابة ما لا يقل عن 30 سفينة حتى 27 أكتوبر، أي نحو ضعف حوادث سبتمبر الخمسة عشر. ومع ذلك استمرت التدفقات، إذ بلغ متوسط صادرات الخام عبر هرمز نحو 11.1 مليون برميل يومياً في أكتوبر، بانخفاض نحو 2 في المئة عن سبتمبر. لكن الأسبوع المنتهي في 28 أكتوبر شهد هبوطاً إلى 7.3 مليون برميل يومياً، أي أكثر من 40 في المئة دون مستوى ما قبل الحرب. وفي 30 أكتوبر أُصيبت ناقلة بعبوات ناسفة ألصقها زورق صغير، وهي أول ضربة ألغام لاصقة ناجحة معروفة في المضيق منذ بدء الحرب بحسب مصادر بحرية، فيما ادعى الحرس الثوري إصابة ناقلات بألغام وقالت واشنطن إن الادعاء كاذب. 
وعلى مستوى الاقتصادات الكلية، يتوقع صندوق النقد انكماش اقتصادات الخليج بنسبة 4.8 في المئة في 2026، بعد أن كان يتوقع نمواً بنسبة 2 في المئة في أبريل، مع تراجع فائض الحساب الجاري إلى 1.3 في المئة من الناتج بعد 5 في المئة في 2025، واتساع العجز المالي إلى 2.3 في المئة من 0.8 في المئة. وأما إيران فيتوقع الصندوق انكماش اقتصادها بنسبة 7.6 في المئة، وهو انكماش أسوأ من توقعات منافسيها الإقليميين، وسبق أن قدّر التضخم المتوسط فيها بنحو 68.9 في المئة. 

 التحديات والمخاطر والسيناريوهات
تقترح الورقة ثلاثة سيناريوهات للمدى القريب.
السيناريو الأول: الضربة المحدودة ثم المساومة (الأرجح). يقوم على عملية قصيرة بعد 3 نوفمبر تستهدف الموقعين المتبقيين، يعقبها ضغط لاتفاق يعالج التخصيب والمخزون. ويدعمه سلوك الرئيس الذي يعلن أن التعامل مع الموقعين متاح «في دقائق»، وهو ما يخدم الردع ويشير إلى استعداد لتنفيذ ضربة جراحية دون حرب شاملة. كما أن إعلان روبرت روبيو تفضيل الحل الدبلوماسي يتسق مع هذا المسار. ويرجح هذا السيناريو أيضاً حجم الكلفة السياسية الداخلية، إذ يرفض نحو 65 في المئة من الأميركيين طريقة إدارة الحرب وفق استطلاع «بيو». غير أن طهران ستقرأ أي ضربة بوصفها دليلاً على الحاجة إلى مزيد من الردع، وقد ترد بهجمات بحرية أو صاروخية على الخليج، كما فعلت سابقاً. 
السيناريو الثاني: التصعيد الشامل. يتضمن حملة جوية ممتدة تشمل منشآت الطاقة والبنية الأمنية الإيرانية. ويغذيه ضغط إسرائيلي يربط نتنياهو فيه بين بقائه وفاعلية العمل العسكري، وتقارير سابقة عن أن الجيش الإسرائيلي كان مستعداً لضرب منشآت نووية ومواقع للنظام ومحطات طاقة. وكلفة هذا السيناريو الاقتصادية مرتفعة جداً. فقد قدرت «وود ماكينزي» في تحليل سابق أن استمرار الاضطراب قد يقرّب برنت من 200 دولار بنهاية 2026. وتُقرأ هذه التقديرات بحذر لأنها سيناريوهية وليست توقعات مركزية، لكنها تبيّن اتساع الذيل الخطر في توزيع الاحتمالات. 
السيناريو الثالث: الاستنزاف المُدار. يقوم على غياب ضربة كبرى وغياب اتفاق، مع تواصل هجمات بحرية متفرقة وحصار أميركي وتفاوض عبر الوسطاء. وهو الأقرب إلى الوضع القائم منذ سبتمبر، ويعني بقاء الأسعار مرتفعة ونزيف الاقتصادات المعتمدة على هرمز. وتحذر «دانسكه بنك» من أن مستويات الأسعار قد تبقى بين 70 و90 دولاراً حتى بعد انتهاء النزاع، مقابل 60 إلى 70 دولاراً قبله. 
مخاطر إضافية تتقاطع مع السيناريوهات كلها: تطور تكتيكات الحرب البحرية بالألغام والزوارق الصغيرة التي يصعب ردعها بالتفوق الجوي، ومخاطر الانتشار النووي إذا اتجهت القيادة الإيرانية، وهي في موقف دفاعي، إلى إعادة بناء قدراتها سراً، وتراجع قدرة إيران على الدفع نحو تسوية حين ترفد الأسعار حجة المتشددين ضد صفقة مع واشنطن. ويقابل ذلك فرص محدودة، منها أن تحوّل الوساطتان القطرية والعُمانية الجمود إلى إطار تفاوضي إذا قدمت واشنطن ضمانات حول المسار النووي مقابل ترتيب أمني للملاحة. 

 التداعيات الاستراتيجية والاقتصادية على المنطقة العربية
أولاً: الخليج
يتحمل الخليج العربي الكلفة الاقتصادية الأثقل للمواجهة، لأن اقتصاداته تعتمد على ممر مائي واحد في تصدير طاقتها واستيراد غذائها. وقد خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو دول مجلس التعاون بحدة، إذ يرى أن اقتصاداتها ستنكمش بنسبة 4.8 في المئة في 2026، بعدما كان يتوقع في أبريل نمواً بنسبة 2 في المئة، أي بتراجع قدره 6.8 نقطة مئوية. ولا يقتصر الأثر على قطاع الطاقة، فالاقتصاد غير النفطي نفسه يُتوقع أن ينكمش بنسبة 0.8 في المئة، وهو ما يعني أن الصدمة تجاوزت الإيرادات الهيدروكربونية إلى الاستهلاك والخدمات والاستثمار. وتتآكل في الوقت نفسه الوسائد المالية التي بُنيت في سنوات الفوائض، إذ يُتوقع أن يتقلص فائض الحساب الجاري إلى 1.3 في المئة من الناتج بعد 5 في المئة في 2025، وأن يتسع العجز المالي المجمع إلى 2.3 في المئة من 0.8 في المئة. وهذه الأرقام لا تُنذر بأزمة ملاءة، فالاحتياطيات الخليجية كبيرة، لكنها تغيّر هامش المناورة في الإنفاق والاستثمار الاستراتيجي، وتدفع الحكومات إلى الموازنة بين حماية الإنفاق الاجتماعي والحفاظ على مشاريع التنويع الاقتصادي. 
وتتفاوت قدرة دول المجلس على الصمود. فالسعودية والإمارات تملكان مسارات تصدير بديلة عن هرمز وإن كانت محدودة، وقد ارتفعت صادرات النفط السعودية في أكتوبر عن سبتمبر رغم الهجمات، وبلغت شحنات الخام الخليجية في سبتمبر أكثر من 75 في المئة من مستواها قبل الحرب بحسب وكالة الطاقة الدولية. أما الكويت وقطر والبحرين فأكثر انكشافاً لأن منافذها البحرية محصورة داخل الخليج. وقد سبق أن أُعلنت حالة القوة القاهرة في قطاعات مرتبطة بهذه الدول، منها إعلان شركة «بابكو» البحرينية القوة القاهرة بعد هجوم على مجمع التكرير. ويضيف تهديد البنية الطاقوية بُعداً آخر، إذ تدّعي جماعة الحوثي استهداف منشآت نفطية سعودية، وهو ما يوسع نطاق المخاطر من الممر البحري إلى الأصول البرية. ويبقى تعافي الخليج المتوقع بنسبة 9.1 في المئة في 2027 رهناً بشرطين خارجين عن إرادته، هما انتهاء الأعمال العدائية واستئناف الملاحة تدريجياً في مطلع 2027، وبذلك يتحول التعافي من مسار اقتصادي مضمون إلى رهان على قرار سياسي تتخذه أطراف أخرى. 

ثانياً: الاقتصادات العربية غير النفطية
تتلقى الدول العربية غير النفطية الصدمة عبر قنوات غير مباشرة لكنها لا تقل أثراً. فقد خفّض الصندوق توقعات منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى انكماش بنسبة 0.3 في المئة هذا العام، مقابل نمو بنسبة 1.9 في المئة كان متوقعاً في أبريل، في حين يتوقع نمواً عالمياً يزيد قليلاً على 3 في المئة، أي أن المنطقة تسير عكس الاتجاه العالمي. ويحمّل الصندوق قطاعات مثل السياحة جزءاً من هذا التراجع إلى جانب اضطرابات صادرات الطاقة والسلع الأساسية. وتتأثر مصر والأردن ولبنان وتونس والمغرب بثلاث قنوات رئيسية: ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة والغذاء مع بقاء برنت قرب 113 إلى 118 دولاراً، وتراجع الإيرادات السياحية، وانكماش فرص العمل وتحويلات العاملين في الخليج إذا طال أمد الركود هناك. ولا تتوافر هنا أرقام قُطرية موثوقة لكل دولة، لذلك تبقى هذه القنوات توصيفاً تحليلياً يحتاج إلى تدقيق ببيانات البنوك المركزية قبل البناء عليه. 
ولا يقتصر الخطر على الأسعار، فتشدد الأوضاع المالية العالمية يرفع كلفة الاقتراح الخارجي على اقتصادات تعاني أصلاً من ديون مرتفعة وعجز في الحساب الجاري. وقد حذّر الصندوق في سيناريو شديد من أن يتباطأ النمو العالمي إلى نحو 2 في المئة، وهو ما يصفه بأنه «قريب من الركود» وهذا السيناريو يفترض استمرار اضطرابات الإمدادات إلى العام المقبل، وهو احتمال لا يمكن استبعاده في ظل غياب اتفاق. وتتوقع دراسات أخرى أن تبقى الأسعار مرتفعة حتى بعد انتهاء النزاع، إذ ترى «دانسكه بنك» أن النفط قد يتداول بين 70 و90 دولاراً بعد نهاية الحرب مقابل 60 إلى 70 قبلها. وهذا يعني أن عبء الطاقة على المستوردين العرب لن يزول بمجرد وقف القتال، وأن الحاجة إلى شبكات حماية اجتماعية وإصلاحات في دعم الطاقة ستبقى ملحّة حتى في أفضل السيناريوهات. 

ثالثاً: التوازنات الاستراتيجية
تواجه دول الخليج معضلة أمنية بنيوية، فهي تستضيف قواعد وقوات أميركية تجعلها هدفاً مباشراً للرد الإيراني، وقد سبق أن أطلقت إيران نيرانها على جيرانها الخليجيين. لكنها في المقابل لا تستطيع الاستغناء عن المظلة الأمنية الأميركية، لأن البدائل الإقليمية والدولية لا تقدم قدرة ردع موازية في المدى القريب. وتشتد هذه المعضلة إذا انتهت الحرب دون حسم الملف النووي، إذ يبقى الجوار الإيراني مصدر تهديد قائم، وتصبح قدرة الردع الأميركية موضع تساؤل إذا ما اتجهت واشنطن إلى تسوية تعطي الأولوية لحسابات داخلية أو انتخابية. ويزيد الأمر تعقيداً أن القرار العسكري الأميركي والإسرائيلي يتأثر باعتبارات داخلية في البلدين، فقد ربط نتنياهو، كما أُشير سابقاً، بين احتمال تحرك واشنطن مجدداً وبقائه في السلطة، وهذا يعني أن حسابات دول الخليج الأمنية قد تتأثر بنتائج مفاوضات تشكيل الحكومة في تل أبيب. 
وفي الاتجاه المعاكس، لا يخلو سيناريو إضعاف النظام الإيراني أو انهياره من مخاطر على العرب. فالفراغ قد يفتح الباب أمام اضطراب حدودي وتدفقات لاجئين وتنافس على النفوذ في الساحات التي تتقاطع فيها المصالح الإيرانية والعربية، وهي العراق وسوريا ولبنان واليمن، حيث تنتشر قوى مرتبطة بإيران أو متأثرة بها. كما أن تفكك مركز القرار في طهران قد يجعل التفاهم مع الأطراف الإقليمية أصعب، إذ يتعدد الفاعلون المسلحون الذين لا يخضعون لسلطة واحدة. وفي الحالتين، سواء بقاء النظام ضعيفاً ومعادياً أو انهياره، تتراجع قدرة الدول العربية على صياغة النظام الإقليمي إذا بقيت مواقفها منفردة ومتباينة. أما إذا تحركت بمبادرة جماعية تجمع بين الضمانات الأمنية والوساطة والتنسيق الاقتصادي، فإنها تستطيع تحويل موقعها من ساحة للصراع إلى طرف مؤثر في ترتيبات ما بعده.

الخاتمة والنتائج
تجيب الورقة عن سؤالها الرئيسي بأن المسار الأرجح للإقليم هو ضغط عسكري محدود ومساومة قسرية، وليس حرباً شاملة ولا سلاماً سريعاً. وتتلخص النتائج في خمس نقاط.
أولاً، يخضع توقيت القرار الأميركي لمعادلة مزدوجة تجمع الاعتبار الانتخابي والحسابات العسكرية، ولذلك فإن بعد 3 نوفمبر يمثل نقطة انعطاف محتملة.
ثانياً، لا يزال الملف النووي هو أصل الصراع، وتتعارض الرواية الأميركية عن «التدمير» مع تقديرات أكثر تحفظاً، ما يجعل «الموقع أو الموقعين» عنصراً قابلاً للتحول إلى ذريعة تصعيد أو ورقة تفاوض.
ثالثاً، مضيق هرمز هو ساحة الاختبار الحقيقية، فالتدفقات متقلبة والهجمات في ازدياد والأسعار قرب ذروتها.
رابعاً، الكلفة الاقتصادية على الخليج وإيران معاً ثقيلة، لكنها أثقل على إيران في الانكماش والتضخم، وأشد على الخليج في ارتهان التعافي بقرار خارجي.
خامساً، تفتقر الدول العربية إلى أدوات التأثير في مسار القرار، وهو ما يبرر الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الوسيط والضامن.
وتبقى الورقة محكومة بقيود، أهمها أن البيانات العسكرية غير مؤكدة، وأن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لم تحسم، وأن كل ما يتعلق بقرار ترامب قابل للتبدل بين يوم وآخر.

التوصيات
1. تشكيل آلية خليجية موحدة لأمن الملاحة تتولى تنسيق الاستخبارات البحرية وكشف الألغام والمرافقة، وتعمل بتفويض مشترك مع شركاء دوليين، بحيث تتحول الحماية من ترتيبات ثنائية متفرقة إلى ردع جماعي.
2. تسريع تنويع منافذ التصدير عبر استكمال خطوط الأنابيب إلى البحر الأحمر وبحر العرب والتكامل بين السعودية والإمارات وعُمان، مع تمويل مشترك للبنية البديلة.
3. دعم المسار الدبلوماسي القائم بالتنسيق مع الوساطتين القطرية والعُمانية وتقديم حزمة ضمانات إقليمية عنوانها الملاحة والأمن مقابل تفاهم نووي، بما يقلل من فرص التصعيد بعد الانتخابات.
4. تحصين الاقتصادات العربية غير النفطية عبر آليات تمويل طارئة وخطوط مقايضة وإعادة توجيه جزء من الودائع الخليجية لدعم احتياطات الدول الأكثر هشاشة، وبناء مخزونات استراتيجية من الوقود والقمح.
5. إعداد خطة طوارئ للانتشار النووي والفراغ الأمني تشمل مراقبة الحدود وتنسيقاً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومبادرة إقليمية للحد من التسلح، تحسباً لأي سيناريو انهيار أو انكشاف نووي.

 المراجع والمصادر 
1. International Monetary Fund. Regional Economic Outlook: Middle East and Central Asia (October 2026) وWorld Economic Outlook (October 2026). Washington, DC.
2. International Energy Agency. Oil Market Report (إصدارات سبتمبر وأكتوبر 2026). Paris: IEA.
3. Kpler. بيانات تتبع شحنات الخام عبر مضيق هرمز، كما أوردتها شبكة CNBC بتاريخ 30 أكتوبر 2026.
4. Schelling, Thomas C. (1966). Arms and Influence. New Haven: Yale University Press.
5. Putnam, Robert D. (1988). “Diplomacy and Domestic Politics: The Logic of Two-Level Games”. International Organization, 42(3), 427–460.

إرسل لصديق

ما سيناريو المستقبل الأقرب لمسار الأزمة والتفاهمات بين السعودية والجماعة الحوثية؟

ما سيناريو المستقبل الأقرب لمسار الأزمة والتفاهمات بين السعودية والجماعة الحوثية؟