المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
د. عمر الغرايبة
د. عمر الغرايبة

العالم لا يتحمل حربًا إضافية.. حين تصبح الجغرافيا ضريبة

الإثنين 19/أكتوبر/2026 - 11:01 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات
ليست كل الضرائب تفرضها الحكومات؛ بعضها تفرضه الجغرافيا. في مضيق هرمز، تمرّ نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط والسوائل النفطية — خُمس الاستهلاك العالمي — بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وحين تتعطل الملاحة، لا تتأخر ناقلة فحسب، بل تبدأ سلسلة تكاليف تمتد من شركات الطاقة إلى موائد الأسر.
السؤال ليس كم ستكلف الحرب الاقتصاد العالمي، بل: هل يحتمل العالم حربًا إضافية واحدة؟

الفاتورة الخفية

لا يقتصر ثمن التعطل على سعر البرميل. فقبل الحرب، كان قسط التأمين على مخاطر الحرب لناقلة قيمتها 100 مليون دولار يتراوح بين 0.1% و0.25% من قيمة جسم السفينة والآلات — أي نحو 100 إلى 250 ألف دولار — وفق تقديرات Marsh McLennan وبيانات السوق . والآن قفز القسط إلى 1% إلى 10% من قيمة جسم السفينة والآلات، أي ما يعادل مليون إلى 10 ملايين دولار للسفينة ذاتها، مع تسجيل حالات دفع فيها مالكو ناقلات محاصرة ما يصل إلى 10%، وقفزت أسعار الشحن اليومي لناقلات النفط العملاقة من نطاق 20 إلى 50 ألف دولار إلى 1.3 مليون دولار في ذروة الاضطراب.
هذه ضريبة لا تظهر في سعر النفط وحده، بل تتسلل إلى كل مرحلة من الإنتاج والنقل والاستهلاك، وحين لامس خام برنت 109.86 دولار في 16 أكتوبر 2026 — أعلى إغلاق منذ مايو — فإن الخطر ليس في الرقم، بل في أن الرقم يأتي فوق أزمات متراكبة.

اقتصاد مثقل لا يتحمل الصدمة

صدمة هرمز لا تضرب اقتصادًا مستقرًا، فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي 2.887 تريليون دولار في 2025، بزيادة حقيقية 2.9% — العام الحادي عشر على التوالي من الارتفاع — وفق SIPRI، وبلغت حصته من الناتج العالمي 2.5%، أعلى مستوى منذ 2009.
والمثال الفرنسي يوضح الارتباط، بلغ الدين العام 118% من الناتج في اكتوبر 2026، والعجز 5.1%، وفق المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE)، وفي مشروع موازنة 2026، ارتفعت اعتمادات mission Défense بنحو 6.7 مليار يورو (من 50.5 إلى 57.1 مليار يورو)، أي بزيادة 13%، بينما ظل الإنفاق العام هو الخط الرئيسي، وفق تقرير اللجنة المالية بالجمعية الوطنية. أي أن الدولة تضغط على الإنفاق المدني بينما توسّع العسكري — في ظل دين قياسي.

الأزمة المركبة

تزداد الأزمة حين تتزامن صدمة الطاقة مع المناخ واضطرابات المعروض. فموجات الحر والجفاف تعطل الإنتاج والنقل، وترفع أسعار الغذاء. وعندما تتزامن مع تكاليف الوقود والشحن والأسمدة، لا تكون النتيجة جمعًا حسابيًا، بل تفاعلًا يضاعف أثر كل منها في الآخر.
وحذّر المنتدى الاقتصادي العالمي من أن خبراء الاقتصاد يرون في الصراع الحالي "أكبر اضطراب للاقتصاد العالمي في الذاكرة الحديثة"، مع خطر "مستويات كوفيد من الإغلاق الاقتصادي" إذا استطالت الحرب، والأرقام تدعم التحذير: نحو ثلث الأسمدة (اليوريا) وقرابة نصف الكبريت كانا يمران عبر هرمز قبل الحرب، وقد ارتفع سعر الكبريت إلى ما يقارب 1000 دولار للطن مقابل 100-200 دولار سابقًا، وقال مسؤول أممي إن أسعار Agricultural Products عالميًا ارتفعت 13% في الربع الثالث، مع توقعات بزيادة أكبر في الربع الرابع.

الشارع يكشف الحدود

في فرنسا، شهد 17 أكتوبر 2026 نحو 500 تجمع و90 مظاهرة، وفق تقديرات وزارة الداخلية الأولية، احتجاجًا على تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات. وفي بروكسل، خرج عشرات الآلاف في 9 أكتوبر ضد التقشف، مع أكثر من 100 اعتقال في أعمال شغب، وفق الشرطة. وفي إسبانيا، خفّضت الحكومة بمرسوم قانوني في 29 سبتمبر ضريبة الهيدروكربونات 20 سنتًا للتر لشهر أكتوبر، مع إمكانية تمديد التخفيض، استجابةً لـ"التوترات في أسعار الطاقة والوقود الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط".
هذه التحركات لا تفسرها الحرب وحدها؛ فالأزمات المعيشية سبقتها، لكن الحرب أضافت طبقة جديدة إلى اقتصادات تعاني أصلًا، الشارع لا يثبت أن الحرب هي السبب الوحيد، لكنه يكشف محدودية قدرة المجتمعات على استيعاب صدمات متلاحقة دون استجابة عادلة.

الرأي المخالف

من الإنصاف عرض حجة من يرى أن الردع أرخص على المدى البعيد من تهديد دائم لممر الطاقة، يقول هؤلاء: إذا كانت إيران قادرة على تعطيل خُمس الإمدادات كلما أرادت، فإن "تكلفة عدم المواجهة" علاوة مخاطر دائمة تُدفع في كل برميل وعقد تأمين. والأسواق، كما أثبتت صدمات 1991 و2003، قادرة على الامتصاص.
والرد لا ينكر المنطق، بل يضعه في سياقه. صحيح أن الأسواق امتصت صدمات سابقة، لكنها امتصتها بموازنات أوسع وديون أقل وإنفاق عسكري أدنى، واليوم يدخل العالم أي مواجهة بموازنات مثقلة وشوارع على حافة الغليان، والأهم أن "الردع" ليس بديلًا مجانيًا؛ فهو نفسه يستهلك الموارد ويولّد علاوة المخاطر التي يُفترض أنه يمنعها، السؤال ليس: هل المواجهة أرخص من التسامح؟ بل: هل أي منهما — بالموارد المتاحة — قابل للتحمل دون أن تدفع التنمية البشرية والاستقرار الاجتماعي الثمن؟

خاتمة

أمن الممرات البحرية لم يعد قضية عسكرية منفصلة عن الاقتصاد، بل جزءًا من أمن الأسعار والنمو والاستقرار الاجتماعي، ولا يكفي تأمين الناقلات إذا ظلت الاقتصادات عاجزة عن حماية القدرة الشرائية والخدمات الأساسية.
المطلوب ليس إنكار الاعتبارات الأمنية، بل إعادة النظر في توازن الأولويات: تنويع مصادر الطاقة وسلاسل الإمداد، واحتياطيات استراتيجية أكثر فاعلية، وسياسات اجتماعية موجهة، ومراجعة كلفة الإنفاق العسكري المتصاعد وأثر خدمة الدين.
والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: كم ستكلفنا الأولويات الخاطئة، إذا أنفق العالم أكثر على أدوات الصراع، واضطر إلى التقشف في أدوات التنمية، ثم ترك المواطن يواجه وحده فاتورة الطاقة والغذاء والديون والمناخ؟
فالحرب لا تستنزف موارد العالم وحدها؛ إنها تستنزف قدرته على تمويل المستقبل، وحين تتقدم فاتورة الصراع على فاتورة التنمية، لا تكون الخسارة في ما يدفعه العالم اليوم فحسب، بل في ما يعجز عن بنائه غدًا.

إرسل لصديق

ما سيناريو المستقبل الأقرب لمسار الأزمة والتفاهمات بين السعودية والجماعة الحوثية؟

ما سيناريو المستقبل الأقرب لمسار الأزمة والتفاهمات بين السعودية والجماعة الحوثية؟