المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
أحمد سامي عبد الفتاح
أحمد سامي عبد الفتاح

لماذا تتنافس الدول على تنظيم كأس العالم

السبت 24/ديسمبر/2022 - 02:09 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات

نجحت قطر في تنظيم كأس العالم 2022 بتكلفة تجاوزت أكثر من 200 مليار دولار، رغم أن العائدات الفعلية من تنظيم البطولة لم تتجاوز 20 مليار دولار. ويبرهن ذلك أن الدول تسعى لتنظيم البطولات الرياضية الكبرى ليس فقط لتحقيق مكاسب مالية، ولكن أيضا من أجل تحسين صورتها السياسية والاقتصادية وجذب المزيد من الاستثمار الأجنبي على المدى البعيد، علاوة على زيادة أعداد السياح الوافدين.

تاريخيا، تم إقامة أول نسخة من كأس العالم سنة 1930، لكن النسخ التالية تم إقامتها في أوروبا. على سبيل المثال، عندما تم إقامة كأس العالم 1938 في فرنسا، غضب بشدة دول أمريكا الجنوبية لأنها طالبت أن يتم إقامة كأس العالم بين القارتين بالتناوب. وقد دفع هذا الأمر دول الأرجنتين والأوروجواي إلى مقاطعة البطولة. ولذلك، تم إقامة النسخة التالية التي أقيمت في 1950 في البرازيل (توقفت البطولة في الأربعينات بسبب الحرب العالمية)، قد انسحبت فيها ثلاثة فرق إما بسبب مشاكل مالية أو خلافات مع المنظمة.

من أجل تجنب أي مقاطعات أو جدل في المستقبل، بدأ FIFA نمطًا من التناوب بين أمريكا الجنوبية وأوروبا، والذي استمر حتى نهائيات كأس العالم 2002 في آسيا. تطور النظام بحيث يتم الآن اختيار البلد المضيف في تصويت من قبل كونجرس FIFA. يتم ذلك في ظل نظام اقتراع شامل. يُتخذ القرار حاليًا قبل ما يقرب من سبع سنوات من البطولة، على الرغم من أنه تم اختيار المضيفين لبطولة 2022 في نفس الوقت الذي تم فيه اختيار مضيفي بطولة 2018.

بشكل عام، تعتبر صناعة الرياضة أحد النمو والرخاء الاقتصادي للعديد من الدول المتقدمة والنامية على السواء. فقد تزايد الاهتمام بهذه اللعبة بغض النظر عن الحدود الجغرافية، وبخاصة بعد انتقال المنافسة عليها من المستوى المحلي إلى المستوى الدولي. فلم يعد مفهوم كأس العالم لكرة القدم مجرد احتفالية رياضية، بل أصبح وسيلة هامة لتنفيذ المشاريع الاستثمارية الكبيرة وتحقيق الدخول والأرباح، وزيادة معدلات النمو والناتج المحلي الإجمالي، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتنشيط حركة السياحة والتجارة، وخلق مزيد من فرص العمل، وتحسين قيمة العملة المحلية، وتنشيط الاقتصاد وتنفيذ برامج التنمية المستدامة على المدى الطويل وذلك في حالة التوظيف الأمثل لهذه اللعبة.

ومن هذا المنطلق أصبح اختيار دولة معينة لتنظيم كأس العالم لكرة القدم يخضع للعوامل الاقتصادية أكثر مما يخضع لأي عوامل أخري وذلك بالرغم من التكلفة الكبيرة المترتبة على تنظيم واستضافة تلك المسابقة. فعلى سبيل المثال، لكي تقوم دولة ما بتنظيم بطولة كأس العالم، عليها أن تكون مستعدة لاستقبال ما يزيد من 2 مليون مشجع، الأمر الذي يؤكد ضرورة امتلاكها لبنية تحتية قوية وشبكة مواصلات كبرى تربط المدن التي سوف يتم لعب مباريات البطولة بها.

مؤخرا ظهرت العديد من الأصوات التي تطالب الفيفا بوضع معيار يتعلق بأوضاع حقوق الإنسان قبل منح دولة معينة حق تنظيم البطولة. فعلى سبيل المثال، إذا كانت دولة معينة تمتلك بنية تحتية قوية وملاعب مطابقة للمواصفات فضلا على وجود نظام رعاية صحي قوي، لكن أوضاع حقوق الإنسان فيها ليست على ما يرام، فإن هؤلاء يطالبون الفيفا بعد منح هذه الدولة التصنيف. ورغم هذه المطالبات، إلا أن الفيفا حتى هذه اللحظة تصر على أنها هيئة رياضية تعمل على تقديم خدمة رفاهية للشعوب، كما تصر على ضرورة عدم خلط السياسة بالرياضة. ويفسر ذلك تنظيم روسيا للبطولة في عام 2018 رغم الانتقادات الحقوقية الدولية لأوضاع حقوق الإنسان فيها.

               وتهدف شبكة المواصلات أيضا لمنح الزائرين فرصة للاستمتاع بالدولة والقيام بأنشطة سياحية. ويفسر ذلك قيام الدول الكبرى بالتسابق من أجل تنظيم البطولات الرياضية الكبرى. فعلى سبيل المثال، نظمت روسيا كأس العالم 2018، ونظمت ألمانيا كأس العالم 2006، بينما نظمت كوريا واليابان كاس العالم 2002. أيضا قامت الولايات المتحدة بتنظيم البطولة 1994، كما سوف تقوم بتنظيمها في ملف مشترك مع كندا والمكسيك في 2026.

هناك أيضا مكاسب ثقافية من تنظيم البطولات الرياضية الكبرى، حيث يقوم الإعلام بتسليط الضوء على البلد المضيف قبل تنظيم البطولة بأشهر طويلة، ما يتيح للبلد المنظم نشر ثقافته المحلية الخاصة وتعريف العالم بها. ويعد هذا الأمر مكسب بحد ذاته لن جذب السياح يعتمد بالأساس على تقديم خدمات ثقافية وتعريفهم بالبلد المضيف. وتهدف بعض الدول إلى جذب المزيد من الاستثمار الرياضي من خلال تنظيم بطولة كأس العالم، حيث يؤدي تدني التمويل الرياضي في الدول النامية إلى تزايد ديون الأندية الرياضية وانخفاض مستوى الأجور وهجرة المواهب الرياضية إلى الخارج. كما أدت المنافسة غير المتكافئة بين نوادي كرة القدم على المستوى العالمي إلى خلق سوق من المنافسة الاحتكارية في اللعبة على المستوى الدولي ووقوع بعض النوادي الرياضية في مصيدة الديون وعدم تحقيق التوازن المناسب بين التكلفة والإيرادات.

في النهاية، تتنافس كبرى الدول العالمية على تنظيم البطولات الرياضية وخاصة كأس العالم بسبب المنافع السياسية والاقتصادية فضلا عن دور البطولة في جذب الاستثمار الأجنبي وتحسين أدوات القوة الناعمة للبلد المضيف. 

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟