المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

دقت طبول الحرب: العالم في مواجهة توحش داعش ... قراءة في مواقف القوى الدولية والإقليمية

الأحد 14/سبتمبر/2014 - 12:58 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
دكتور كمال حبيب

يعيد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى الذاكرة التأثير النفسي الذي تركه جيش التتار على سكان المدن والبلدات التي اكتسحها بلا مقاومة قبل أكثر من ألف ومائة عام والتي انتهت بالحادثة الأفظع، وهي اقتحام بغداد حاضرة الخلافة الإسلامية وإسقاط مؤسسة الخلافة ذاتها وقتل الخليفة المستعصم واستباحة دماء سكان المدينة حتى أصبح الدم أكثر من الماء في نهر الفرات، كما تعرضت المكتبات والتراث الثقافي والفكري للعدوان، وألقيت الكتب في نهر دجلة  حتى ملأته، فأصبحت جسرا يعبر عليه جنود التتار الذي كان يقودهم هولاكو القادم على صهوات جياده من منطقة السهوب الآسيوية التي كانت مصدرا لخطر مقدم الجماعات المسلحة من مناطق البدو والفقر والجدب إلى مناطق المدن والحضر والتحضر فيما يمكن أن نصفه بأنه صراع البداوة والتحضر.

يمثل الجانب النفسي أحد أهم أدوات حربه النفسية في المناطق التي يسيطر عليها بسهولة وبدون مقاومة دون أن يعني ذلك تقليلا من قدرات التنظيم العسكرية التي تصل إلى حد الوحشية المتجاوزة لما أطلقنا عليه البداوة، فقد اتخذ التنظيم من الساحة السورية أحد أهم مجالات تكوين خبراته القتالية والعسكرية التي تعتمد على حرب العصابات وقتال الشوارع وإدارة التوحش كما يعبر أحد المراجع الفكرية للتنظيم.

لا تمثل الحرب النفسية للتنظيم أداته فقط في سرعة اندفاعه وسيطرته تسبقه سيرته المتوحشة في الممارسة القتالية والعسكرية، وهو ما حدث مثلا في حربه في الموصل وسقوطها بسرعة مذهلة أمامه من قبل الجيش العراقي وقياداته الكبرى، ولا توسع التنظيم شمالا حتى وصوله إلى أبواب أربيل والاستعداد لاقتحام مناطق الأكراد، وهو في طريقه إلى هناك سيطر على سد الموصل ومنطقة جبل سنجار، وعامل الأقليات الدينية خاصة المسيحيين واليزيديين بقواعد فقهه التي تخيّر السكان بين الدخول جبرا في الإسلام أو القتل للمقاتلة القادرين على القتال والسبي للنساء والصبيان وعرضهن للبيع في الأسواق، أو القبول بدفع الجزية، وهو ما هدد وجود تلك الجماعات التي يعود وجودها في المنطقة لآلاف السنين وبقيت آمنة مستقرة في ظل الفتح العربي الإسلامي لهذه المناطق.

الحرب النفسية التي يشنها التنظيم هي إعلان حرب على قيم العالم وخاصة الغرب الذي يعتبره عدوا له وللعالم الإسلامي، ومن ثم فهو يرفع راية الخلافة ويقدم أبو بكر البغدادي كخليفة يجب على المسلمين جميعا أن يذعنوا له بالسمع والطاعة، وأن يهاجروا إلى حيث هو في الموصل لبيعته على السمع والطاعة والانضمام ضمن مواطني دولة الخلافة الجديدة التي تشير إلى انبثاق عصر صعود إسلامي جديد، وهو في هذا يعتبر الديمقراطية دين شرك وكفر، ويعتبر الأحزاب والانتخابات والمشاركين فيها كفارًا فهي أحزاب للشيطان، ويرى الغرب دار كفر وحربا مقصودة كلها بالقتال حتى يعلنوا إذعانهم للخليفة الجديد، ومن ثم فليست الخلافة مجرد إعلان إعلامي ولكنها دلالة على تحدي التنظيم للغرب ولأمريكا ولأوربا ولروسيا وللأمم المتحدة باعتبارها مؤسسة فرضها توازن القوى بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تمثل جهة أمينة أو محايدة، ومن ثم فالتنظيم لا يعترف بها.

جون ماكين: "إن ما تقوم به أمريكا في العراق تجاه داعش لا يعبر عن رؤية إستراتيجية بل رؤية غير واضحة إزاء ما يعتبره أمناً قومياً أمريكياً وليس مسألة عراقية داخلية"

وعلى مستوى العالم الإسلامي والإقليم فإن التنظيم لا يعترف بحكومات الدول العربية والإسلامية ويعدّها حكومات مبدّلة للشرع ومتحالفة مع الغرب، ومن ثم فهي حكومات مقصودة بالقتال والتغيير، بل إن التنظيمات الإسلامية المختلفة معه في التكتيكات، وهي تنطلق من نفس أرضيته الفكرية وهي السلفية الجهادية يعتبرها تنظيمات خوارجية مقصودة هي الأخرى بالقتل والقتال، وخلافه الدموي مع جبهة النصرة مشهور معروف، كما أن خلافه مع بقية فصائل المعارضة الإسلامية في سوريا غنيٌّ عن البيان، وهو خلاف وجود وليس خلافا على التفصيلات والحدود، نحن أمام تنظيم دموي يتحدى العالم ويضع نفسه في مواجهة العالم وقيمه لا نكاد نستثني من ذلك أحدا في الغرب أو في العالم العربي أو حتى في العالم الإسلامي كله.

نستعرض هنا المواقف المحددة للقوى الدولية من التنظيم باعتباره تحديا لقيمها ولمصالحها ولأمنها، كما نستعرض أيضا مواقف القوى الإقليمية في المنطقة، والتي يمثل التنظيم خطرا عليها بنفس القدر.

 أولاً- مواقف القوى الدولية من تنظيم داعش

نتناول موقف كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي وروسيا والأمم المتحدة.

1-    الموقف الأمريكي

أعطى أوباما أوامره للقوات الجوية لضرب مواقع داعش في منطقة سنجار، ولمنع تقدم التنظيم إلى مناطق الأكراد، حيث يحظى هؤلاء بحماية أمريكية باعتبار أن مناطقهم تشمل المصالح الأمريكية من قنصليات ودبلوماسيين وشركات البترول، بالإضافة إلى الوجود المخابراتي والأمني، واعتبر أوباما أن ضرب داعش لتجاوزه ما اعتبره خطًا أحمر، وهو التوجه نحو الشمال الكردي وارتكابه أعمالا وحشية ضد الأقليات المسيحية واليزيدية، لكن التدخل الأمريكي جاء متأخرا، وهو ما أعطى للتنظيم فرصة للتمدد، والتغاضي والتأخر الأمريكي كانا إشارة لأن استخدام سلاح الجو الأمريكي لن يصب في مصلحة المالكي في مواجهة السنة بعد أن جربت أمريكا هزّ التوازن الطائفي في العراق لصالح الأغلبية الشيعية في مواجهة الأقليات السنية التي تحكم العراق من عام 1921.

اشترطت الولايات المتحدة الأمريكية لتدخل واسع في العراق تشكيل حكومة وحدة وطنية تعبر عن كل الطيف العراقي، بما في ذلك ضمان تمثيل السنة حتى لا يصبح داعش جاذبا لهم في ظل شعور السنة بالتهميش والقهر وعدم تمثيل النظام السياسي العراقي لمصالحهم.

يثير التدخل الأمريكي المتأخر لضرب داعش التساؤل في العالم العربي حول أسباب هذا التأخر، وكأن الولايات المتحدة الأمريكية تغض الطرف عن وجود داعش في العراق، كما هي الحال في سوريا، باعتباره أحد عوامل التوازن وملء الفراغ في ظل محاولات تقليص الوجود الشيعي ذات الطابع الطائفي في العراق، وفي ظل الضغط علي نظام بشار وداعميه في المنطقة إيران وحزب اللـه والكتائب الشيعية المختلفة المتطرفة.

كما يثير التدخل الأمريكي في منطقة سنجار تحت واجهة إنسانية لحماية الأقليات التساؤل حول المسئولية الأخلاقية والإنسانية تجاه ما يجري في سوريا من قبل نظام بشار ضد مواطنيه، واكتفاء أمريكا بالمشاهدة وعدم التدخل باستثناء سلاح النظام الكيماوي الذي كان في  مصلحة الكيان الصهيوني، كما أن تساؤلات تثار بشأن الموقف الأمريكي غير الإنساني وغير الأخلاقي، فيما تقوم به إسرائيل ضد أهالي غزة من جرائم إبادة وحشية دون لوم أو عتاب أمريكي بل بدعم غير محدود.

ويجادل الجمهوريون في أمريكا وعلى رأسهم السناتور جون ماكين "أن ما تقوم به أمريكا في العراق تجاه داعش لا يعبر عن رؤية إستراتيجية بل رؤية غير  واضحة إزاء ما يعتبره أمنا قوميًا أمريكيًا وليست مسألة عراقية داخلية، فهناك مائة أمريكي بايعوا أمير التنظيم أبا بكر البغدادي، وهم يقاتلون في صفوف التنظيم، وهناك أمريكي نفذ عملية انتحارية لصالح التنظيم". ماكين يرى ضرورة التدخل الأمريكي بقوة في العراق وسوريا ودعم الأكراد، وأشار إلى أن فراغ القيادة والتخلي الأمريكي عن القيام بدور في العراق وسوريا هما اللذان أديا إلى تعاظم قوة التنظيم.

ويشير ماكين إلى أن أبا بكر البغدادي حين خرج من السجن الأمريكي الذي كان معتقلا فيه قال لسجانيه وقتها من الأمريكيين: "أراكم في نيويورك"، وهو ما يعني أن التنظيم يمثل خطرا داهما على الأمن القومي الأمريكي.

وعن وضع داعش في سوريا، قال أوباما إن إدارته لا تملك إستراتيجية شاملة حتى الآن لمكافحة الجماعات الإسلامية المتشدة في داخل سوريا، وعن مؤشرات توسيع الضربات الأمريكية العسكرية للتنظيم في سوريا، قال أوباما "إن الناس يمضون قدما أكثر من المكان الذي نحن فيه الآن"، ويبدو أن أوباما لا يريد أن يفعل في سوريا كما فعل في العراق بتفويض ضربات عسكرية  للتنظيم دون العودة للكونجرس باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، إنه يريد أن يضع الكونجرس في الصورة، كما أشار هو نفسه حين تعهد بأنه لن يترك الكونجرس في الظلام في حالة اتخاذ قرار، مؤكدا أنه لا يريد أن يضع العربة أمام الحصان .

ترك الاتحاد الأوربي لكل دولة الحرية في التعامل مع قضية تسليح الأكراد والأقليات المسيحية واليزيدية، ولم تجمع دوله على موقف

يعرف أوباما حساسية تدخله العسكري ضد التنظيم المتطرف في سوريا لذا يطالبه الديمقراطيون من حزبه بضرورة موافقة الكونجرس والشعب وعرض الأمر عليهم أولا، ويطالبه الجمهوريون أيضا بذلك لمنحه القيادة الزائدة للقيام بمهمة ضرب التنظيم في سوريا، ويريد أوباما أن يعتمد إستراتجية شاملة يكون العمل العسكري جزءا منها تقوم على مكونات سياسية واقتصادية، وعلى تعاون أهل المنطقة ذاتها في مواجهة الأمر، فمواجهة التنظيم في سياق المكونات الداخلية التي صنعت الأزمات هي التي ستحقق النجاح دون اعتماد فقط على التدخل الخارجي أو العامل الخارجي، إن أوباما يعتمد في هذا السياق على تعاون مع سنة العراق وسوريا، وذلك يعني إنهاء تهميش السنة في البلدين والعمل علي دفعهم ليكونوا جزءا من المشهد السياسي في البلدين.

بيد إن أمر مواجهة التنظيم السرطاني مواجهة شاملة ـ وفق أوباما نفسه ـ يبدو مسألة ضرورية ولا يعدو أمر تنفيذها مسألة وقت لوضع خطط أكثر تماسكا وشمولية، ذلك أن تقديرات رجال المخابرات أن هجوم داعش على أمريكا هو مسألة وقت، ومن ثم فأمر مهاجمته للانشغال بمعالجة آثار الهجوم ضروري بدلا من تركه الذي سيقود حتما إلى المبادرة للهجوم على أمريكا ومصالحها، ففي تصريحات لمايكل هايدن، المدير السابق للمخابرات الأميركية قال: "إن المسألة مسألة وقت، هناك حملة جوازات السفر الأوربية والأمريكية، وقد عبروا عن رغبتهم بشن هجمات فالقضية إذن هي أنهم وإن اختاروا أن لا يهاجموننا غدا إلا أنه من الممكن اختيار الزمان والمكان المناسبين وقد يحصل ذلك بأقرب مما نتصور".

وفي قمة الناتو التي عقدت يومي الرابع والخامس من شهر سبتمبر(الجاري)، أجمعت الدول الثماني والعشرين الأعضاء على أن داعش يمثل تهديدا لها، وأنه لا بد من بلورة إستراتيجية واضحة لمواجهته، وجاوز أوباما تردده وأعلن أن الدول الأعضاء مُجمعة على أن داعش يمثل تهديدا، وكان هناك إقرار بضرورة التحرك، وأشار إلى أنه لم يلحظ أي رفض للفكرة الأساسية بأن هناك دورا علينا أن نلعبه لصد المنظمات التي تشكل تهديدا لسلام وأمن أعضاء الناتو، وأبدى "أوباما " استعداد بلاده للتعاون أكثر مع الحكومة العراقية لمواجهة التنظيم بما في ذلك دعم قوات البشمركة وتدريب القوات العراقية، وجمع المعلومات الاستخبارية، والاستمرار في الضربات الجوية، واستمالة العشائر السنية التي عليها أن تعرف أن مستقبلها ليس مع داعش على حد قول أوباما، ويسعى أوباما إلى بناء شراكة في الإقليم تعتمد على دوله، والتي تعد الأردن حجرا رئيسيا في ذلك التحالف، وعن الوضع في سوريا أشار إلى أنه لا توجد خطط واضحة لدى أمريكا للتدخل البري للسيطرة على مناطق الصراع، ولكن ستسعى أمريكا لتقوية المعارضة السورية المعتدلة، بيد أن تردد أوباما عاوده مرة أخرى في سوريا، إذ قال إن الإستراتيجية الأمريكية في سوريا لا تزال قيد التطوير. وقبل الذكرى السنوية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر بيوم واحد  سيلقي "أوباما" كلمة ليشرح للشعب الأمريكي خطته لمواجهة داعش، وليس مستبعدا تطوير إستراتيجية نحو سوريا مشابهة لتلك التي في العراق، والتي قد تعتبر الضربات الجوية إحد أهم أدواتها.

 

1-    الموقف الأوربي

لا تبدو مواقف دول الاتحاد الأوربي واحدة من وقف تمدد داعش في العراق، فدول الاتحاد الأوربي تدين أعمال داعش ضد الأقليات وتعتبرها جرائم ضد الإنسانية، ودول الاتحاد تدعم الضربات الأمريكية لوقف تمدد التنظيم، بيد أن الاتحاد الأوربي ترك لكل دولة الحرية في التعامل مع قضية تسليح الأكراد والأقليات المسيحية واليزيدية، ولم تجمع دوله على موقف موحد، ففرنسا التي تريد القيام بدور نشط في العراق لحماية أقلياتها الكاثوليكية أرسلت على الفور السلاح لدعم الأكراد، ويضغط اليمين الفرنسي من أجل تدخل فرنسي نشط في العراق والشرق الأوسط.

ويتفق مع الموقف الفرنسي الموقف البريطاني والألماني والإسباني، حيث يدعم البريطانيون إرسال سلاح للقوات الكردية، كما يطالب الإسبان الذين يواجهون نشاطا متناميا للتنظيم لتجنيد شباب وفتيات من إسبانيا عبر شبكات منتشرة للتجنيد، بموقف أوربي نشط تجاه تنظيم داعش بما في ذلك تسليح الأكراد.

اتخذ مجلس الأمن بالإجماع قراره رقم 1270، لتشكيل فريق مراقبة ورصد لمدى تنفيذ سلة عقوبات واسعة ضد تنظيم داعش وجبهة النصرة في العراق والشام

ويبدو أن العسكريين في بريطانيا غاضبون من الموقف الذي يتخذه سياسيو بلادهم تجاه التنظيم ويصفونه بالخوف البريطاني من مهاجمة داعش، ويرون أن مجرد إلقاء مساعدات إنسانية من الطائرات في سنجار للأقليات ليس هو الموقف الواجب على بريطانيا اتخاذه، وينتقدون موقف بلادهم من التأخر في التدخل العسكري لوقف تمدد التنظيم، ويطالبون بتدخل بريطاني على الأرض، لأن جزءا من معاناة العراقيين من وحشية التنظيم تتحمل مسئوليتها بريطانيا التي كانت جزءا من التحالف الدولي الذي احتل بغداد عام 2003، وأعطى قبلة الحياة للتنظيمات المتشددة سواء على الجانب السني أو الجانب الشيعي.

ويتبنّى ديفيد كاميرون خطة يحث فيها زعماء الاتحاد الأوربي على تبني إجراءات للسيطرة على المتطرفين الذين ينضمون للقتال مع داعش، منها تقاسم المعلومات حول سجلات أسماء ركاب الطائرات المسافرين من وإلى سوريا والعراق، ويطالب كاميرون تركيا على وجه الخصوص بتقديم أحدث الأنظمة الأمنية لمكافحة الإرهاب مثل أجهزة فحص الشحنات وحقائب السفر ورصد المواد المتفجرة.
ويسعى كاميرون للتنسيق بشأن رد أوربي على مستوى السياسة الخارجية للأزمة في العراق وسوريا والمشاركة في التدريب بين الدول الأعضاء على إجراءات التصدي للتطرف.

ولا يزال كاميرون مترددا بشأن إصدار أوامر للقوات المسلحة البريطانية بضرب ومواجهة تنظيم داعش، الجهود البريطانية لا تزال تركز على توفير رحلات طيران للاستطلاع والإغاثة، بيد أن  المشاركة في ضربات جوية لا تزال موضع تساؤل.

 

وفي قمة الناتو الأخيرة التي استضافتها بلدة "نيوبورت" بويلز، لم يستبعد رئيس وزراء بريطانيا مشاركة بلاده في الضربات الجوية التي تقوم بها أمريكا، وفي مقال مشترك له مع أوباما في جريدة "التايمز" بعنوان "لن يخيفنا القتلى الوحشيون " أكد أن عزيمة بلاده لن يهزها القتل الوحشي لداعش، وأنه لن يسمح بملاذ آمن للإرهاب، وتتشابه إستراتيجية بريطانيا مع أمريكا في اعتبار التدخل البري على الأرض خطا أحمر، وهو يشير إلى نزع الشرعية عن أيديولوجية داعش التي تعبر عن التطرف الإسلامي الذي لا يعبر عن الإسلام ، ويعتمد كاميرون إستراتيجية لا تتفاوض مع الإرهابيين ولا تمنحهم فدية، وعلى صعيد سوريا قال كاميرون إن النظام السوري جزء من المشكلة، ولن يكون جزءًا من الحل، ومن ثم فالتعاون مع نظام بشار ليس مطروحاً.

1- موقف الأمم المتحدة

أدان الأمين العام للأمم المتحدة ممارسات داعش في اضطهاد الأقليات والأفراد وتجنيد الأطفال وخطف الفتيات أو الاتجار بهن كرقيق وعمليات الإعدام بلا ضمانات، واعتبر التنظيم خطرا على العراق وسوريا، واعتبر بان كي مون أن تشكيل حكومة وحدة عراقية في العراق تعبر عن كل الأطياف هو السبيل لمواجهة التنظيم، ودعا لتنظيم حظر دولي على السلاح وعقوبات اقتصادية على التنظيم، ودعا الدول المجاورة للعراق إلى التوحد لمواجهة إرهاب التنظيم.

ورحب الأمين العام برحيل المالكي كشأن كل سياسيي العالم، واعتبر أن تلك بادرة للمضي قدما نحو مواجهة التنظيم، فقد كان تطرف المالكي وتوظيفه الطائفي لمؤسسات الدولة وتهميش السنة واضطهادهم هو أحد الأسباب الرئيسية لصعود التنظيم وتهيئة حاضنة اجتماعية له من بين عامة السنة، هكذا يرى بان كي مون. 

واتخذ  مجلس الأمن بالإجماع قراره رقم 1270 تحت الفصل السابع، والقرار يدعو إلى تشكيل فريق مراقبة ورصد لمدى تنفيذ سلة عقوبات واسعة ضد تنظيم داعش وجبهة النصرة  في العراق والشام، ومدى تعاون الدول الأعضاء في تطبيق هذا القرار، سيقدم الفريق تقريرا إلى لجنة العقوبات في غضون 90 يوما عن الخطر الذي يشكله التنظيمان، وعن مصادر أسلحتهما وتمويلهما والتجنيد في صفوفهما وتركيبتهما الديموجرافية.

كانت تركيا تدعم داعش كنوع من الضغط على نظام الأسد وعلى نظام المالكي، ولعب رئيس جهاز مخابراتها "حاقان فيدان" دوراً كبيراً في ذلك

 أدرج القرار ستة أفراد تابعين لداعش في العراق  وسوريا ولجبهة النصرة علي قائمة الجزاءات المفروضة على تنظيم القاعدة في محاولة لقطع التمويل عنهم، وهم عبد الرحمن الظافر الدبيدي الجهاني (جبهة النصرة)، وحجاج بن فهد العجمي (جبهة النصرة)، وأبو محمد العدناني (داعش)، وسعيد عريف (جبهة النصرة)، وعبد المحسن عبد اللـه إبراهيم الشارخ (جبهة النصرة)، وحامد حمد حامد العلي (داعش وجبهة النصرة).

ويشجع القرار الدول الأعضاء أن تقدم للجنة طلبات لكي تدرج في القائمة أسماء الأفراد والكيانات التي تدعم تنظيم داعش في العراق وسوريا وجبهة النصرة وتنظيم القاعدة.

واعتبر مراقبون أن قرار مجلس الأمن جاء متأخرا، كما أن مجلس الأمن ركز على تنظيمات متطرفة سنية ولم يركز على التنظيمات الشيعية المتطرفة كحزب اللـه وعصائب الحق. لكن القرار في كل الأحوال لاقى ترحيبا من أغلب الدول المهتمة مثل السعودية ومصر.

 ثانياً- مواقف القوى الإقليمية من تنظيم داعش

نتناول هنا موقف ثلاث قوى فاعلة في المنطقة هي تركيا والسعودية وإيران.

1- الموقف السعودي

تواجه المملكة موقفا صعبا، حيث أصبح مقاتلو داعش على حدودها الشمالية، وحشدت المملكة ثلاثين ألفا من الجنود على حدودها الشمالية، كما أن التنظيم يدير معركة لحشد التأييد والتجنيد عبر الفضاء السيبري، وهناك عدد غير قليل من الشباب السعودي انضموا للتنظيم وبايعوا خليفته، وعلى صعيد المواجهة الفكرية للتنظيم أفتى الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، مفتي السعودية أن تنظيم داعش والقاعدة تنظيمات لا خير فيها، ودعا الأشخاص والجهات التي تحث الشباب على القتال في سوريا أن يتقوا اللـه، وأن يعلموا بأن ما يقومون به خطأ، وكانت وزارة الداخلية أعلنت أمرا ملكيا يجرم وجود داعش في المملكة، كما جرمت إصدار أي فتاوى للقتال في الخارج أو جمع تبرعات لجماعات إرهابية، وكذلك خلع البيعة بمعنى الخروج على الحاكم، وحددت عقوبات لمن يتورط في الأنشطة الإرهابية تبدأ بثلاث سنوات وتصل لعشرين.

وتسعى السعودية متحالفة مع مصر والأردن والإمارات والبحرين والكويت والجزائر والمغرب لبناء تيار إسلامي وسطي يعبر عن الفكر الإسلامي الصحيح ويقوم العلماء بتوضيح الحقيقة حتى لا يتم اختطاف الإسلام من قبل الجماعات المتطرفة التي تمارس القتل والفتنة تحت يافطة الإسلام وهو منها براء.

وربما يتيح إعلان تخلي المالكي عن منصبه بعد رفض العالم لبقائه لفترة ثالثة كرئيس وزراء يتيح للقوى الإقليمية المجاورة للعراق، وعلى رأسها المملكة، الفرصة لبناء توافق على ضرورة التخلي عن سياسات التطييف في العراق، وإعادة الاعتبار للسنة وإدماجهم في النظام السياسي وبناء محور للاعتدال السني يحرم داعش من حاضنتها الاجتماعية من ناحية، ومحاصرة فعلها المتطرف من قبل محور الاعتدال الذي تدعمه السعودية في العراق وسوريا.

وعقب إصدار مجلس الأمن لقراره 1270، تبرعت السعودية بمائة مليون دولار أمريكي للجنة مكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة، والذي تم تفسيره بأنه تحول سعودي نحو محاربة الإرهاب، وستكون السعودية هي إحدى أهم دول الحلف الذي يسعى أوباما إلى تشكيله في المنطقة ليواجه به داعش ضمن تحالف دولي واسع انضمت إليه تسع دول من خارج المنطقة.  

2- الموقف التركي

يقترب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام من الحدود التركية، وهو ما يفرض على الدولة التركية التمييز بين القوى السياسية التي تدعمها في الصراع الدائر في سوريا والعراق، فتركيا لم تكن تميز بين الجماعات وكانت تدعم حتى داعش كنوع من الضغط على نظام الأسد وعلى نظام المالكي، ولعب رئيس جهاز مخابراتها "حاقان فيدان" دورًا كبيرًا في ذلك، بيد أنه مع تعقد الموقف في سوريا وفي العراق، وصعود تنظيم الدولة الإسلامية واستيلائه على القنصلية التركية في الموصل، وأسر موظفي القنصلية، بدأت تركيا تراجع مواقفها خاصة وأن دعمها لداعش معروف على مستوى أجهزة المخابرات، كما أن المعارضة التركية تضيق به، وترى أن استخدام الأراضي التركية للتدريب والتمويل وتمرير المقاتلين هو اندفاع لحزب العدالة والتنمية الحاكم نحو استثمار لسياسات في الإقليم تقود إلى تورط البلاد في دعم الإرهاب، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية عبرت عن ضيقها نحو السياسة التركية لدعم الجماعات الإرهابية ومنها جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام، فضلا عن الإخوان المسلمين ومحازبيهم من تيارات إسلامية أخرى جهادية وسلفية.

 

 تحدث عبد اللـه جول، الرئيس التركي السابق، عن موصل تركته تركيا عام 1926 لعراق موحد، واليوم حين يتقسم العراق فإن المطامع التركية تعود للسيطرة على الموصل، وذلك لأهمية خطوط الغاز وسياساته ولأهمية منطقة الأكراد المتاخمة للحدود مع تركيا، والتي تعد أكبر مستورد للبضائع التركية بعد ألمانيا، كما أنها أحد المصادر الرئيسية لشراء النفط الكردي دون العودة للحكومة العراقية المركزية.

هناك مصالح ضخمة لتركيا في المناطق التي يتمدد فيها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وهي تتعرض الآن للمخاطر، ومن ثم فإن تركيا ستسعى لمراجعة سياستها تجاه التنظيم، وبناء قوة اعتدال سنية على الأرض، وتشاركها في ذلك ـ كما أشرنا ـ المملكة العربية السعودية وحلفاؤها في العالم العربي، ومن ثم فهناك مصلحة تركية سعودية في حماية محور الاعتدال السني في العراق، وذلك لنزع البساط من تحت قوى التشدد والتطرف التي تختطف الإسلام السني وتقدمه على أنه تعبير عن الإرهاب والكراهية والفتنة.

 

وشارك "أردوغان" في قمة الناتو الأخيرة، وركز على أن التهديد للحلف ليس فقط من الشرق في روسيا، ولكنه من الجنوب أيضا ممثلٌ في داعش، ومن هنا احتلت النقاشات حول داعش ومنذ اليوم الأول للقمة الذي لم يكن مخصصا لمناقشتها مساحات واسعة، والتقى رئيس وزراء تركيا الرئيس الأمريكي والمستشارة الألمانية ورئيسي وزراء بريطانيا واليونان، وكان موضوع تساهل تركيا في مرور أعضاء محتملين لتنظيم داعش، قضية رئيسية نوقشت في قم الناتو، كما أن كيري اعتبر أن تركيا أحد الأطراف الرئيسية في التحالف الدولي الذي يسعى أوباما إلى تشكيله في المنطقة.

 

3-الموقف الإيراني

مع هزيمة المالكي وحلفائه الشيعة في العراق فإن الموقف الإيراني يصبح على المحك، وقد كان المالكي وميلشياته الشيعية يعفي إيران من التدخل المباشر في العراق، والآن مع هزيمة المالكي فإن إيران قد تصبح في موقف يفرض عليها التدخل المباشر في العراق، تحت ضغط أمريكي يطالبها بذلك باعتبارها شريكا لأمريكا في إعادة هندسة الحالة العراقية بعد سقوط بغداد وسيطرة الشيعة حلفاء إيران على البلاد، فمع تردد أمريكا، وغياب إستراتيجية واضحة للتدخل في العراق، يقول الجنرال الأمريكي "جي غارنر" لسي . إن . إن: "داعش مشكلة إيران قبل أن تكون مشكلة أمريكا، وإيران لديها سلاح جو فلماذا لا تقوم هي بضرب داعش، بالطبع تخلي المالكي عن السلطة وخروج خامنئي لدعم حيدر العبادي رئيس الوزراء البديل، يعنيان هزيمة التيارات المتشددة داخل السياسة الإيرانية، والتي يمثلها الحرس الثوري، ودعم الدولة لتيار حسن روحاني، الذي يبدو معتدلا وباحثا هو الآخر عن حلول وسط ومنها وجود حكومة قوية في العراق والقبول بوجود سني يفقد داعش حاضنته الاجتماعية والتحدث باسم سنة العراق كقوة ثورية في مواجهة نظام طائفي ومستبد.

 

خاتمة

لا تود أمريكا أن تتدخل على الأرض، ففي عقلها ذكرى تدخل فاشل في العراق ومن قبلها أفغانستان، وهي لا تريد أن تتورط من جديد في مشاكل الإقليم الصعبة، وهي لديها الآن عدة مئات من قواتها الخاصة على الأرض بحذر وفي سياق محدود لا يشي بتدخل واسع على الأرض، كما لا ترغب أوربا هي الأخرى في التدخل لنفس الأسباب، بيد أن أمريكا وبريطانيا معها تسعيان لبناء حلف واسع من دول الإقليم ومن القوى الاجتماعية والسياسية المهمشة داخل الدول التي ينشط فيها داعش من أجل حل مشاكل التهميش والظلم الاجتماعي للسنة في تلك الدول، بحيث إن حل المشكلة السياسية سيضع أساسا لعزل التنظيم اجتماعيا وسياسيا، ومن ثم محاصرته والقضاء عليه عسكريا حين يتطلب الأمر حلا عسكريا، هنا يمكن أن يكون السنة جزءا من مشروع مواجهة التنظيم وليس تقديم الحاضنة له كما هي الحال الآن.

كما أن بناء قوة إقليمية لتأسيس إسلام سني معتدل من خلال تعاون دول الإقليم المؤثرة السعودية ومصر والإمارات والجزائر، وحتى دول مثل تركيا وحتى تيار الاعتدال في إيران، والذي يمثله حسن روحاني، سيكون سبيلا مهمة لمحاصرة الفكر المتطرف للتنظيم.

محاصرة التنظيم المتطرف وعزله عن المحيط السني، وبناء قاعدة لإسلام سني معتدل وسطي سيكون جزءا من خطة سيكون محورها دول الإقليم وقواها الاجتماعية والسياسية المهمشة في تلك البلدان، وتدعم تلك المكونات الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا وأوربا، بحيث يمكن تدخلها عسكريا لضرب التنظيم بعد عزله سياسيا واجتماعيا وحرمانه من حواضنه الاجتماعية والسياسية  والفكرية.


جزء من دراسة نشرت في العدد العاشر من مجلة آفاق سياسية

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟