المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا (1958-191961)

السبت 24/سبتمبر/2022 - 08:30 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
الدكتور فارس محمد العمارات

مقدمة

تُشكل امريكا اللاتينة أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية،  وقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تدخلها الفعلي في شؤونها،  عن طريق تدخلها الاقتصادي المتزايد بتشجيع تدفق الاستثمارات الأمريكية على بلدان القارة للاستثمار بمواردها،  مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تتبع سياسة الاحتواء والتبعية تجاه العديد من دول القارة ومنها فنزويلا  واعتبرت المساعدات الاقتصادية  الأمريكية جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد الفنزويلي،  فيما شكلت الثروات المعدنية والحقول البترولية شبكة  لا يمكن اقتلاعها تربط الاقتصاد الفنزويلي بالمصالح الأمريكية،  ومن هنا حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على الحفاظ على علاقات ودية مع فنزويلا  من خلال العديد من الاتفاقيات التجارية .

وتعد فنزويلا من الدول التي دارت على  ساحاتها حروبا بارده عدة،  ومع نهايات الخمسينيات من القرن الماضي وبداية العام 1960 أصبحت فنزويلا ساحة معركة في الحرب الباردة للولايات المتحدة، والتي هي  واحدة من أغنى الدول في أمريكا اللاتينية والمصدر الرئيسي للنفط في العالم،  والتي كان رأس المال الأمريكي يغذيها،  فيما كان العام 1959،هو  استبدال سنوات من الهيمنة العسكرية والديكتاتورية رسميا بانتخاب الرئيس" رومولو بيتانكورت"(1)، وهو ديمقراطي مناهض للشيوعية متعاطف مع الولايات المتحدة،  ومع ذلك فإن ما كان ينبغي أن يكون حليفاً يمكن الاعتماد عليه في نصف الكرة الأرضية،  وبدلا من ذلك عزز مُعاداة عنيفة للولايات المتحدة، الامر الذي هدد بتأجيج التمرد الشيوعي في الأمريكتين وانفجر هذا التهديد بطريقة مذهلة خلال جولة نائب الرئيس الأميركي" نيكسون "(2) في الأمريكتين في أيار 1958عندما تعرض موكبه لهجوم من قبل مجموعة من المتظاهرين في كراكاس،  وانتهت الرحلة بسجن" نيكسون" في السفارة الأمريكية وإرسال البيت الأبيض فرقة عمل عسكرية لإنقاذه   بعد ان تعرض لاهانات عدة من المتظاهرين .وفي أعقاب ذلك، أبلغ نيكسون البيت الأبيض أنه على الرغم من أن فنزويلا تعمل كمعقل للمشاريع الحرة والتنمية الاقتصادية في نصف الكرة الأرضية إلا أنها شكلت واحدة من أكبر التهديدات للاستيلاء الشيوعي على السلطة في المنطقة جراء تغول " الحزب الشيوعي على بعض مفاصل الدولة.)3 (

وتعتبر العلاقات الفنزويلية الأمريكية في جوهرها مُشكلة كبيرة لصانعي السياسة في الولايات المتحدة، مما أدى الى  أجباره على إعادة التفكير في العديد من جوانب السياسة الخارجية تجاه أمريكا اللاتينية ككل. الا أن الإطاحة " بماركوس بيريز خيمينيز"(4)، في كانون الثاني 1958 وحادثة كاراكاس في آيار1958،  فقد تم تصور التهديد الذي تشكله الشيوعية وأثرت على تغييرات كبيرة في السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا،  وأحداً مجالات النقاش المهمة في التأريخ حول علاقات إدارة "أيزنهاور" مع أمريكا اللاتينية،  وإلى أي مدى كانت السياسة الاقتصادية للإدارة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية تمليها متطلبات المنافسة الاستراتيجية مع الاتحاد السوفيتي والذي يُشكل تاريخ لعلاقة إدارة" أيزنهاور"(5)،  بأمريكا اللاتينية والعلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا في القرن العشرين، خاصة ان  الولايات المتحدة كانت مدفوعة لقمع القومية الفنزويلية في المقام الأول لتأمين الوصول إلى المواد الخام الأساسية وخاصة النفط،  من أجل الحفاظ على موقعها الاستراتيجي العالمي.(6)

فيما  سعت الإدارة الأمريكية إلى تعزيز أجندة التجارة الحرة والأسواق الخاصة غير المُقيدة من أجل النهوض بالنظام الاقتصادي الأمريكي وخلق فرص إضافية للاستثمار الخاص. وان الضرورات الاستراتيجية كانت مهيمنة في سياسة الولايات المتحدة تجاه فنزويلا، إلا أن هناك أدلة قوية على الضغط النشط من قبل مسؤولي وزارة الخارجية لتعزيز السياسات الاقتصادية الليبرالية من أجل مصلحتهم الخاصة، وتم تهميش هذه الأجندة الاقتصادية في نهاية المطاف في عام 1958 بعد أن احتلت المخاوف الاستراتيجية الأوسع نطاقا بشأن النفوذ الأمريكي في فنزويلا،  خاصة أن "حادثة كاراكاس"(7)، عام 1958 آثرت على علاقات الولايات المتحدة مع أمريكا اللاتينية ككل، ومن دواعي القلق الرئيسية ما إذا كان الحدث قد أثار عدم الرضا عن ذات الولايات المتحدة وإعادة تقييم وإعادة الانخراط لاحقا في العلاقات بين البلدان الأمريكية، أو ما إذا كان التغيير الجوهري لم يحدث إلا بعد خسارة كوبا لصالح الماركسية الثورية" لفيدل كاسترو"(8) في عام 1959 خاصة كثيراً ما صور مؤرخو الحرب الباردة صعود" فيدل كاسترو" وتدويل مُعاداة الإمبريالية على الطريقة الكوبية على أنها دليل على تهديد جديد للهيمنة السياسية الأمريكية في أمريكا اللاتينية التي أشارت إلى بداية فترة جديدة في العلاقات بين البلدان الأمريكية. (9)

المحور الأول- الموقف الامريكي من انقلاب عام  1958

فنزويلا هي جمهورية رئاسية فيدرالية تتكون من 23 ولاية، ومنطقة العاصمة التي تغطي كراكاس والتبعيات الاتحادية التي تغطي الجزر البحرية في فنزويلا، وهي من بين البلدان الأكثر تحضراً في أمريكا اللاتينية؛ الأغلبية الساحقة من الفنزويليين يعيشون في مدن الشمال، ولا سيما في العاصمة كراكاس.

وتعتبر فنزويلا دولة ذات تنوع بيولوجي شديد للغاية، فهي تضم مناطق بيئية عديدة ومتنوعة، تبدأ من جبال الانديز في الغرب، لتصل إلى حوض غابات الأمازون المطيرة في الجنوب، مارة عبر سهول يانوس الواسعة وساحل الكاريبي في الوسط، ودلتا نهر" أورينوكو" في شرق البلاد. (10)

وفي عام 1522م سقطت فنزويلا تحت الاحتلال الإسباني رغم مقاومة الشعوب الأصلية، ولكنها أصبحت واحدة من أولى المستعمرات الأميركية الإسبانية التي أعلنت استقلالها عام 1811م، ومع ذلك لم يصبح أمر الاستقلال راسخاً ومستقراً حتى عام 1821م، كما حصلت فنزويلا على الاستقلال الكامل في عام 1830م كقسم من جمهورية كولومبيا الكبرى الاتحادية، خلال القرن التاسع عشر عانت فنزويلا من الاضطراب السياسي والدكتاتورية، وسيطر عليها مجموعة من الإقليميين،  الذين يتكونوا من زعماء عسكريون أقوياء.

وقد وصلت حكومات ديمقراطية إلى الحكم في فنزويلا منذ عام 1958، ولكن سبق ذلك فترة عانت  فيها فنزويلا من بعض الانقلابات والدكتاتوريات العسكرية، مثل معظم بلدان أمريكا اللاتينية. فيما أدت الصدمات الاقتصادية في الثمانينات والتسعينات إلى أزمة سياسية تسببت في مقتل مئات الأشخاص في أعمال الشغب مما أدى إلى وصول معدلات الفقر إلى 66% في عام 1958،وانخفض  نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى نفس مستوى عام 1963، انخفاضا بلغ الثلث عن  الذروة عام 1978.(11)

وسيتم استعراض هذا الفصل من خلال  ثلاثة مباحث هي المبحث الاول: الموقف الامريكي من   انقلاب 1958، والمبحث الثاني : الموقف الامريكي من انتخابات 1958، والمبحث الثالث: تولي الديمقراطيين السلطة في فنزويلا ودستور 1961 والموقف الامريكي منها.

لقد ولدت الديمقراطية التمثيلية بفنزويلا يوم 23 كانون الثاني 1958،  مع الاطاحة بالرئيس "ماركوس بيريز جيمنيز" آثر انتفاضة شعبية مصحوبة بعصيان عسكري. وفي الجانب المدني كان الحزب الشيوعي الفنزويلي انشط الأحزاب في الانتفاضة، فقد قاد التحالف كل الأحزاب المعارضة للديكتاتورية  والمتمثلة بالعمل الديمقراطي والحزب الاجتماعية المسيحي،  والحزب الشيوعي الفنزويلي، ويقول بعض المؤرخين إن الطبقات الأكثر حظوة آنذاك، المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية، كانت ذات مصلحة في إطاحة الديكتاتورية التي لا تستجيب بالكامل لمصالحها.

وكانت فنزويلا في تلك الحقبة أول منتج عالمي للنفط، والمزود الرئيس بالبترول والمواد الأولية اللازمة للانتشار العسكري الأمريكي للتدخل في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية. وكان مجموع صناعة النفط بيد الشركات الغربية لاسيما الانجلوساكسونية،  وجاء سقوط الدكتاتورية بنظام سياسي جديد استقر بشكل نهائي مع انتخاب "رومولو بيتانكورت" قائد "حزب العمل الديمقراطي"(12) بالمنفى، والذي ساند "الحزب الشيوعي"(13) الفنزويلي،  اضافة إلى ترشيح " لارازابال" (14)،  الذي كان رئيساً في الفترة بين 23 كانون الثاني، 1958 وانتخاب" بيتانكورت" في كانون الثاني1959،  عوامل كلها كانت محرك في السياسة الفنزويلية .(15)  

وتزود النظام الجديد بدستور عام 1961،  بعد أن تكرس عام 1958 بتحالف الأحزاب الرئيسة الثلاث  "حزب العمل الديمقراطي"،  و" الحزب الديمقراطي المسيحي" (16) و"الحزب الديمقراطي الاجتماعي" (17)، وقرر هذا التحالف تهميش الحزب الشيوعي الفنزويلي  بواسطة ميثاق " بونتو فيخو"(18)، الذي يتعلق بنوع من الحكم المُشترك بين الأحزاب الثلاثة التي قررت، بمبرر حماية الديمقراطية الناشئة، تقاسم السلطة كيفما كانت نتائج الانتخابات. وبموازاة ذلك وقع الاتحاد النقابي الرئيسي كونفدرالية عمال فنزويلا، بقيادة حزب العمل الديمقراطي والمستجيبة مباشرة لمصالحه، اتفاقا مع أرباب العمل يقضي بعدم المساس بالاتفاقات الجماعية الموروثة عن الحكم السابق، وعلى هذا النحو غدا النموذج ناجزاً وتتقاسم الأحزاب الثلاث السلطة ويهمش العمال بما هم فاعل سياسي بالسطو على الاتحاد النقابي ويستبعد اليسار.

وتتأرجح السياسة الأمريكية في العالم منذ نشأتها وحتى وقتنا الحالي بين من ينادي بالانعزالية ومن يطالب بالإمبريالية. وبين هذا وذاك تطورت السياسة الأمريكية في العالم من الانعزالية إلى قيادة النظام العالمي وتشكيل معطيات الأمور بما تمليه المصلحة الأمريكية، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لعبت بشكل أو بآخر على مدار تاريخها دوراً في تشكيل النظام العالمي إلا أننا نشهد حالياً نمطاً مغايراً من القيادة العالمية يريد الانفراد بالقرار العالمي، والتخلص من قيود الاتفاقيات الدولية وأخلاقيات المعاملات الإنسانية .

وتشكل أمريكا اللاتينية عموما وفنزويلا خصوصا الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية منذ استقلال الولايات المتحدة الأمريكية، فقد سعت هذه الأخيرة إلى الحفاظ على نفوذها في هذه القارة تارة عبر الدبلوماسية وتارة عبر دعم الانقلابات العسكرية.(19)

وكان الشاغل السياسي الرئيسي للولايات المتحدة في فنزويلا هو الحفاظ على استقرار العلاقات مع حكومة "خيمينيز." وهذا يعني سياسة إبقاء" خيمينيز" وإدارته قريبين من الولايات المتحدة مع افتراض الحياد الواضح وفي الوقت نفسه، وفر الحفاظ على العلاقات مع قادة المعارضة الرئيسيين بمن فيهم" رومولو بيتانكورت" اتصالا مع خصوم "خيمينيز " السياسيين، وأثبت فائدته في توفير المعلومات الاستخبارية حول المعارضة السرية.

ومع ذلك، هناك العديد من الأمثلة خلال عهد" خيمينيز " لفشل مسؤولي إدارة أيزنهاور "في الحفاظ على التوازن بين المجاملة والحياد، مع عواقب على العلاقات الثنائية وعلى تصور سياسة الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية ككل، وكان" بيدرو إسترادا" (20)، رئيس الشرطة السرية الفعالة في فنزويلا أحد المصادر الرئيسية للتوتر، وقد نصح بعدم الارتباط به، ومع ذلك تمت دعوته رسميا إلى الولايات المتحدة في يناير 1957، حيث استقبلته وزارة الخارجية بعد سقوط نظام خيمينيز، وجلب نشر الرسائل الشخصية بين السفير الأمريكي السابق " هنري براذر فليتشر "(21) و" بيدرو إسترادا "  إحراجاً جديداً، حيث أثنى" وارن" على" إسترادا " لكونها في العمل كالمعتاد وتمنى" لخيمينيز" أن عام 1958 "سيجلب له رغباته  إذا كانت هناك أي سياسة تُشير إلى الانفصال بين الولايات المُتحدة ونظام "خيمينيز"، الا ان تلك السياسة لم تنجح. (22)

ومن الواضح أن الإطاحة المفاجئة" بخيمينيز" في كانون الثاني 1958 من قبل المجلس العسكري في أعقاب الاضطرابات على مستوى البلاد من قبل الجمهور اللامبالي في أعقاب ثورة عسكرية فاشلة لم تكن متوقعة من قبل إدارة " أيزنهاور" كون الجيش هو القوة التي أطاحت في نهاية المطاف برئاسة خيمينيز يعكس دوره المهيمن في السياسة الفنزويلية طوال القرن العشرين.  ولم تتردد وزارة الخارجية في التوصية بالاعتراف الفوري بالمجلس العسكري المؤقت بعد تلقيها تأكيدات من قادته بالتزامهم بمعاداة الشيوعية وحماية الاستثمار الأجنبي ولم يسيطر المجلس العسكري على السلطة بشكل لا لبس فيه فحسب، بل حظي أيضا بدعم شعبي واسع وتعهد بإجراء انتخابات حرة،  وأشار أول بيان علني لإدارة "أيزنهاور" حول هذه المسألة في أواخر شباط عام 1958 إلى أنهم  يشعرون بالرضا والسرور عندما يختار شعب أي بلد بعزم الطريق إلى الديمقراطية والحرية ومع ذلك، فإن نمط الدعم الأمريكي" لخيمينيز" يشير إلى أن الولايات المتحدة كانت ستدعم عن طيب خاطر أي حكومة مستقرة، حتى لو كانت قمعية وغير تمثيلية، شريطة ألا تتحدى الوضع الراهن للاستثمار الاقتصادي الليبرالي والسياسات التجارية والاصطفاف مع الولايات المتحدة في الحرب الباردة. (23)

لقد كشفت حادثة كاراكاس علنا عن ضعف المجلس العسكري المؤقت أمام الاضطرابات السياسية. ومع ذلك، وعلى النقيض من انطباع نيكسون عن التهديد الشيوعي في كراكاس وقد خلصت دراسة أجرتها وزارة الخارجية إلى أن الجيش يشكل تهديداً أكبر بكثير للحكومة الانتقالية وأظهرت أزمة تموز، عندما هدد القادة العسكريون بقيادة وزير الدفاع المضطرب " كاسترو ليون"(24) بالتمرد، باقتدار الديناميكيات الجديدة لفنزويلا ما بعد" خيمينيز " وذلك عندما سار حشد متقلب من ثلاثين ألف يساري إلى القصر الوطني دعما للحكومة، منددين "بكاسترو ليون" ومستعدين لمُحاربة القوات المسلحة في الشوارع، ومع ذلك، لم تكن القوة التي ستشكل السياسة الفنزويلية في عام 1958 هي سياسة القوة العامة للشيوعيين والجيش، بل الحزب اليساري وكانت الاشتراكية القومية والديمقراطية في الأيديولوجيا قوتها بالنسبة للشيوعيين، وهي التي اعتبرتها وزارة الخارجية تمنع استيلاء شيوعي "على غرار غواتيمالا  1954،  ومع ذلك، خاطرت  بتدخل عسكري من قبل ضباط ما زالوا يعانون من محاولة واضحة من قبل الحكومة في عام 1947 لاستبدال الجيش ب "ميليشيا شعبية". ولهذا السبب، أيد تقرير وزارة الخارجية بشكل فعال الحاجة إلى مرشح وحدة بدعم من الجيش في انتخابات كانون الأول. (25)

وإن ما حصلت عليه فنزويلا بدلا من ذلك كان سباقا بين "بيتانكورت" وزعيم المجلس العسكري المؤقت الأدميرال" فولفغانغ لارازابال"،  الذي لم يكن يحظى بدعم الحزب اليساري فحسب،  بل أيضا الشيوعيين. خلال الاضطرابات الناجمة عن الديمقراطية الجديدة الهشة والعلاقة المتضررة مع الولايات المتحدة، كانت فنزويلا تتأرجح إلى اليسار وكان حليف الولايات المتحدة الذي كان ثمينا ذات يوم يهدد بالخروج من مدارها. على الرغم من التزامه بالقومية اليسارية، كان ينظر إلى رومولو بيتانكورت منذ فترة طويلة على أنه رجل يمكن للولايات المتحدة العمل معه وبصمات وبراغماتية، وواصل" بيتانكورت" مناقشاته مع مسؤولي وزارة الخارجية حول أنشطة المعارضة الفنزويلية. كان منتقدا شديدا لسياسة الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية خاصة بسبب دعمها للديكتاتوريات والتزامها الثابت بالسياسات الاقتصادية الليبرالية، ومع ذلك رأى الولايات المتحدة كحليف طبيعي لفنزويلا في نصف الكرة الغربي، والذي كان مؤيداً للشيوعيين في وقت من الأوقات، والآن تبرأ منهم بسبب التزاماتهم الدولية ورفض النظر في قبولهم في الحكومة، ومع ذلك، فإن التزامه بإعادة الهيكلة الاقتصادية التي تقودها الدولة وزيادة السيطرة على صناعة النفط يتعارض مع المصالح الاقتصادية الأمريكية وسياسات الاستثمار الليبرالية في فنزويلا. (26)

إن قارب الأحلام لمشاريع الإنفاق الرأسمالي الفخمة وارتفاع مستويات المعيشة خلال سنوات خيمينيز كان الفقر في المدن  متوطن، و كانت مدن الصفيح البائسة،  التي يشار إليها باسم "رانشوس"،  تضم ملايين العمال المهاجرين،  وفي الريف، يتوطن التخلف والفقر، وكان ما يقرب من نصف الفنزويليين البالغين أميين، حيث يعيش الكثير من السكان المقيمين في الريف على دخل أقل من 100 دولار في السنة حتى الجيش كان يعانى من سوء الظروف المعيشية على الرغم من أن فئة الضباط قد استفادت من سخاء" خيمينيز"،  إلا أن ثكنات المجندين كانت متهالكة مع قاعدة واحدة للقوات الجوية تضم حامية قوية مع عدم وجود اية  مياه صالحة أو خدمات عامة، وبعد سقوط "خيمينيز" بدأت إدارة "أيزنهاور "في التفكير في فكرة أن سياسات "خيمينيز "الاقتصادية لم تفد جميع شعبها، فيما  كان برنامج" بيتانكورت" الاقتصادي الجديد هو التنويع الاقتصادي والتنمية التي تقودها الدولة والإصلاح الزراعي لكسر اعتماد فنزويلا على صادرات النفط والمواد الغذائية المستوردة، وبحلول تشرين الأول 1959، وكانت الولايات المتحدة قد أيدت جزئيا هذه السياسات، وأصبحت مُساعدة جهود فنزويلا للتصنيع كوسيلة لإنهاء الاعتماد على النفط هدفا معلنا للسياسة الأمريكية، وشكل ذلك انعكاسا لمعارضة وزارة الخارجية السابقة للتنمية التي قادتها الحكومة خلال نظام "خيمينيز" كما شهد نهج" بوتانكور "في صناعة النفط تحولا كبيراً نحو مشاركة الحكومة وسيطرتها على الصادرات، وأدى ذلك في نهاية المطاف إلى مُشاركة فنزويلا في إنشاء المنظمة الحكومية الدولية  "منظمة البلدان المُصدرة للبترول (أوبك) (27) في أيلول 1960، والتي سعت إلى زيادة سيطرة البلدان المصدرة على إنتاج النفط.(28)

وقد كان وزير المناجم والهيدروكربونات "خوان بابلو بيريز ألفونسو" (29)، وهو حليف مخضرم "لبيتانكورت " ومهندس سياسة "50-50" (30)، حريصا على زيادة دور الدولة في إنتاج النفط وأنشأ شركة نفط وطنية جديدة في نيسان 1960ومع ذلك، كان" بوتانكور "حريصا على الحصول على موافقة إدارة"  أيزنهاور "وشركات النفط قبل محاولة الإصلاح، وكان غاضبا عندما ألغت الحكومة الانتقالية المنتهية ولايتها في ديسمبر 1958 سياسة "50-50"  ورفعت الضرائب على منتجي النفط، ليس لأن" بيتانكور " لم يوافق على السياسة ولكن لأنه لم تتم استشارة من قبل  الولايات المتحدة أو شركات النفط مسبقا، ومن الواضح أن إدارة" أيزنهاور" لم تخرج عن طريقها لمعارضة سياسات" بيتانكورت " النفطية القومية والتي تم تصنيف قضية إصلاحات النفط الفنزويلي في خلاف منفصل وطويل الأمد حول تشديد حصص استيراد النفط الأمريكية التي استبعدت النفط الفنزويلي من الأسواق الأمريكية في مذكرة تم تقديمها إلى الرئيس" أيزنهاور" في ايلول 1959 .(31)

وعقب سقوط "بيريز خمينيز"،  قام المجلس العسكري بالسيطرة على السطلة في فنزويلا، وتم تنصيب "ولفغانغ لارزابال " رئيسا لمجلس الادارة الفنزويلية،  جاء ذلك بعد اتفاق بين ضباط المجلس العسكري،  حيث تم اضفاء الشرعية  على الاحزاب السياسية المحظورة خلا فترة حكم "بيريز خمينيز" فيما تم تعيين مجلس وزراء يضم وزراء يمثلون كافة القطاعات،  وتم تكليف لجنة خاصة لوضع قانون انتخابي يجيز انتخابات نزيهة حرة  بشكل عاجل،  فيما تم مصادرة الاموال والاصول المالية "لبيريز خمينيز"،  حتى ان اصبح زعيما شعبياً نال دعم الشعب جراء الاجراءات التي تم اتخذها خلال رفترة رئاسة المجلس العسكري . (32)

وقد تبدد الخوف لدى الولايات المتحدة الأمريكية جراء الاختراق الشيوعي لفنزويلا،  فيما بعد حكم "بيريز خمينيز"،  خاصة بعد ان قامت الحكومة الأمريكية باصدار بيان رسمي عن الهجوم الذي  تعرض له الرئيس الامريكي " ريتشارد نيكسون" والذي تم بمشاركة من اعضاء  في الحزب الشيوعي الفنزويلي،  وقد القى " ريتشارد نيكسون" خطاباً في النادي الوطني للصحافة  اعترف فيه  ان الشيوعيين هم من قادوا الهجمات، إلا أن هناك الكثير من الفنزوليين المؤيدين لهم .(33)

ومن هنا، فإن ما يُثير قلق الولايات المتحدة،  أن فنزويلا  ستكون هدفاً للشيوعيين،  من خلال التسلسل الهادئ والمتقن،  خاصة بعد بعد ان سمحت الحكومة الفنزويلية المؤقتة لجميع الأحزاب بما فيها " الحزب الشيوعي الفنزويلي "  للعمل بحرية وبصورة علنية في المجال السياسي  اضافة إلى ذلك فقد ساعد "ولفغانغ لارازابال" الشيوعيين الفنزولييين،  في حين تجاهل كل ما تلقاه من "نيكسون"  في ايار 1958،  حينما قال له " الحرية لا يمكن ان تستمر في اي تحالف مع الشيوعيين " (34)

وبعد أن انتهت الانتخابات التي جرت في السابع من كانون الاول 1957 والتي اجراها المجلس العسكري،  وحصل "رومولو بيتانكورت" على (49%) من أصوات الناخبين،  وحصل "ولفغانغ لارازابال" على (35%)  ارسل الرئيس الامريكي " ايزنهاور  تهنئة " لبيتانكورت "  بفوزة بالانتخابات الفنزويلية،  خاصة بعد ان حثه القائم بالاعمال الامريكي " كريستيان هيرتر" (35)على القيام بارسال هذه التهنئة. (36)

من جانب اخر فقد اثمرت جهود "بيتانكورت"  قبل وصوله للحكم في مغازلة وكسب ود الولايات المتحدة الأمريكية،  خاصة بعد حضور وفد ضم كبار السياسيين الامريكين حفل تنصيب الرئيس الجديد "بيتانكورت"  واكتسب فنزويلا الثورية الناضجة كما وصفتها صحيفة "ننيورك تايمز" بعد الانتخابات التي جرت مكانة مرموقة  في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه امريكا اللاتيينة حيث اعلن "بيتانكورت"  خلال حفل التنصيب " أن فلسفة الشيوعية لا تتوافق مع تطور فنزويلا"

وبعد أن تم تنصيب "بيتانكورت" رئيساً لفنزويلا في عام 1958 وفوزه المدوي خاصة انه عاش في المنفى عرين عاماً  تفيأ الفنزويليون الديمقراطية السياسية للمرة الثانية في القرن العشرين،  بدأ وحزبه الحاكم في تجسيد التنوع الاقتصادي،  والاصلاح الزراعي،  وتحسين نوعية التعليم والرعاية الاجتماعية للمواطنيين،  وترسيخ نهج الديمقراطية الدستورية،  في حين ابقى على السياسة  العامة كما هي عليه،  وتم تغيير الوسائل التي اختارها "بيتانكورت"،  اذا فضلوا نهجاً مُعتدلاً متطوراً  للاصلاح الاقتصادي والاجتماعي،  خاصة ان "بيتانكورت"  كان لديه خطه تتسم بشكل من اشكال الراسمالية،  ويتم استثمار الاموال  من قبل سلطة مركزية في الدولة،  اضافة إلى المؤسسات الصناعية الخاصة،  حيث اصدر قانون عام 1960 والتي من خلاله يتم التحكم مركزيا،  ويتضمن توزيع الاراضي فقط عندما تكون لانشاء خدمات مساندة،  كالطرق والمنازل ومراكز التسوق،  فيما تقوم الدولة  بتعويض مالكي الاراضي وتقديم المساعدات للمزارعين التجاريين.(37)

وبعد أن تم الاعلان رسميا عن حكومة "بيتانكورت"  والاطاحة " ببيريز خيمينيز"  وافقت الولايات المتحدة الأمريكية بشكل اساسي على حكومته،  وعمقت  من الدعم الذي تقدمه حكومة "بيتانكورت " تدريجيا  كقائد لليسار المناهض للشيوعية في امريكا اللاتينية،  والذي يعتبر قوة موازنة قوية للمسيرة اليسارية للحكومات الموالية للاتحاد السوفياتي،  وبالرغم من كل هذا فان الصراعات بين فنزويلا والولايات المتحدة الأمريكية  تطفو على السطح  بين فينة واخرى خاصة فيما يتعلق  بقضايا النفط،  ومكان اقامة الرئيس السابق " ببيريز خيمينيز" . (38)

وواجهت الحكومة الفنزويلية بزعامة "بيتانكورت " خلال السنوات الاولى من ولايتها سلسلة من التهديدات من الجماعات اليمينية،  اذ قام مؤيدو " ببيريز خيمينيز" العسكريون والمدنيون  الساخطون مؤامرات عديدة،  وخلال عام 1959،  سرت عدة شائعات عن حدوث انقلاب،  فيما تم اكتشاف العديد من المؤامرات الاخرى التي كان يخطط لها عدد من الضباط في الجيش الفنزويلي  للاطاحة بحكومة "بيتانكورت "،  فيما تم نقل،  وايقاف ترقية،  او فصل عدد كبير من ضباط الجيش الذين تم الاشتباه بهم.(39)

ومن منظور أمريكي فقد  غدا استقرار فنزويلا حالة اساسية لنصف الكرة الغربي،  واصبح ذلك ضرورة للحفاظ على هذا الاستقرار بكافة  السُبل والادوات،  وبعد سقوط حكومة "ببيريز خيمينيز" نجحت كل من فنزويلا والولايات المتحدة الأمريكية  في تثبيت النموذج الديمقراطي في فنزويلا   وتابعت الولايات المتحدة الأمريكية  دعمها لحكومة "بيتانكورت " من أجل القضاء على التطرف الشيوعي،  والذي أعتبر أحد الاهداف الاساسية لبعض الفصائل السياسية الداخلية والخارجية في فنزويلا .(40)

المحور الثاني-  الموقف الامريكي من الانتخابات الفنزويلية 1958

في يناير 1958،  كانت فنزويلا تحت ديكتاتورية عسكرية منذ الإطاحة بالحكومة المُنتخبة ديمقراطيا بقيادة حزب" العمل الديمقراطي" قبل عقد من الزمان، ومع اغتيال قائد الانقلاب " ديلغادو تشالبو"(41) في عام 1950،  حقق الجنرال "بيريز خيمينيز" السيطرة الفعلية،  وحصل رسميا على لقب الرئيس بعد عامين وقام "خيمينيز"، وهو سلطوي تكنوقراطي، بإعادة هيكلة وتحديث القوات المسلحة الفنزويلية لضمان ولائها، بما في ذلك بذل الجهود لفصل سلك الضباط عن المٌجتمع المدني. (42)

                وعلى الرغم من ادعاءات الحكومة التكنوقراطية، تميز النظام برأسمالية المحسوبية التي اكتسبت حلفاء بين النخب المدنية المحافظة، لكنها بدأت تنفر بعض صغار الضباط، كما انقسم الجيش الفنزويلي منذ الانقلاب، حيث تقف الأغلبية بقوة وراء" خيمينيز." ومع ذلك، فإن أقلية قوية منفتحة على إمكانية الحكم المدني المحدود . ومع تنامي المعارضة أيضا بين السكان المدنيين، أنشأ" خيمينيز" قوة شرطة جديدة داخل وزارة الداخلية تسمى" قوة الأمن الوطني"، والتي مارست في نهاية المطاف سلطة أكبر من القوات المسلحة النظامية.

وفضلاً من ما تم من القمع والفساد، إلا أن النمو الاقتصادي السريع، ومشاريع التنمية المثيرة للإعجاب حدت في البداية من المعارضة. في معظم الظهورات، بدأ" خيمينيز" مسيطراً بقوة،  وحظرت أحزاب المعارضة وذهبت معظم الشخصيات المعارضة البارزة إما إلى المنفى أو سجنت. كما تمتع" خيمينيز " بدعم قوي من الولايات المتحدة، القوة المهيمنة في نصف الكرة الأرضية. تم سحق أعمال المقاومة المسلحة على نطاق صغير من قبل الحزب الشيوعي الفنزويلي بسهولة. (43)

وعلى الرغم من ذلك، نما المجتمع المدني بشكل كبير خلال هذه الفترة، وبدأت حركات المعارضة السرية في الظهور بحلول أواخر عام 1956، بالإضافة إلى ذلك، شكلت النساء منظمات ونشطن في المقاومة، واستفدن  من المساحة السياسية الأكبر التي كانت لديهن مقارنة بالرجال، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن الديكتاتورية لم تأخذهم على محمل الجد،ومن خلال التظاهر بأنهن زوجات أو أمهات أو أخوات، تمكنا من تبادل الرسائل بين قادة المعارضة المسجونين والمقاومة السرية.(44) بدأ التسلسل الهرمي الكاثوليكي،  الذي كان صديقا بشكل عام للحكومة ينأى بنفسه في مواجهة القمع المتزايد. (45)

ولم يكن لدى فنزويلا أي خبرة في الديمقراطية قبل عام 1945، ولكن في ذلك العام، أطاح تحالف من ضباط الجيش وقادة حزب العمل الديمقراطي بالرئيس " إيزياس مدينا أنغاريتا" (46)،  ونصب حكومة مؤقتة دعت إلى انتخابات الجمعية التأسيسية في عام 1946 والانتخابات العامة في عام 1947. ومع ذلك فقد أطيح بأول رئيس منتخب ديمقراطيا في فنزويلا، " رومولو جايجوس "(47)، من قبل المجلس العسكري في عام 1948 في جو من الاستقطاب الشديد بين الحكومة القومية والمناهضة لرجال الدين والمتغطرسة والمعارضة الكاثوليكية والمحافظة المهددة بقيادة " الحزب المسيحي الاجتماعي"،  وتبع ذلك الحكم العسكري على مدى العقد التالي، وخلال هذا الوقت اتفق بعض قادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي على أنه لإعطاء الديمقراطية فرصة،  فإنهم سيتقاسمون السلطة ويبقون القضايا الأكثر استقطابا خارج جدول الأعمال السياسي،  وقد منحتهم انتفاضة جماهيرية ضد " ماركوس بيريز خيمينيز" في عام 1957 فرصة من أجل الاستيلاء على السلطة، وتم إضفاء الطابع الرسمي على الاتفاق بين الأحزاب في ميثاق" بونتو فيجو" لعام 1958 وأدى إلى حكومة الوحدة الوطنية" لرومولو بيتانكورت" في العام 1958.(48)

وازداد الاستياء الشعبي بشكل كبير عندما ضربت البلاد ركودا في خريف عام 1957،  بسبب انخفاض أسعار النفط، ووقعت أول احتجاجات كبرى في الشوارع عندما أعلن النظام، بدلاً من إجراء انتخابات تنافسية كما وعد عندما انتهت ولاية "خيمينيز "البالغة خمس سنوات، عن استفتاء حول ما إذا كان ينبغي السماح له بالبقاء في السلطة لمدة خمس سنوات إضافية. كانت انتخابات 15 كانون الأول مزورة بشكل ملحوظ، حيث ادعى النظام فوزه بنسبة 85٪ في غضون ساعتين من إغلاق صناديق الاقتراع. وهزمت محاولة انقلاب سيئة التنظيم في 1 كانون الثاني 1958، مما كشف عن انقسامات في القوات المسلحة والتي شجعت المعارضة المدنية المتنامية، وفي 9 كانون الثاني، انخرطت المعارضة السرية المعروفة باسم "المجلس العسكري الوطني" في عصيان مدني وأعمال في الشوارع، وتدفق عشرات الآلاف إلى الشوارع، خاصة في الأحياء الأكثر فقراً في العاصمة كراكاس، وهم يهتفون "يسقط السلاسل.(49) 

وجراء ما جرى من أحداث قامت الحكومة بشن حملة قمع قاسية، حتى أنها أغلقت المدارس الثانوية والجامعات في البلاد لقمع الاحتجاجات الطلابية. وبدأت المنظمات المهنية التي تمثل الأطباء والمحامين والمهندسين والأساتذة في التنظيم، وحشدت النقابات العمالية. أصدرت العديد من المؤسسات الوطنية التي كانت حتى ذلك الحين صامتة إلى حد كبير  بما في ذلك كلية الهندسة، والرابطة الفنزويلية للصحفيين ومنظمات الأعمال البارزة  بيانات ضد النظام. في 13 كانون الثاني، انضم حزب "العمل الديمقراطي" أكبر حزب معارض إلى المجلس العسكري، وشجع أعضاءه على الانضمام إلى الاحتجاج وعلى الرغم من أنها غير عنيفة إلى حد كبير، وقعت أعمال شغب ومداهمات على المباني الحكومية وهجمات على قوات الأمن، بما في ذلك بعض تبادل إطلاق النار قتل ما يقدر بنحو 300 متظاهر أثناء التمرد.

وكان عام 1958 عاماً حاسماً في تاريخ فنزويلا المعاصر،  وكان ذلك " لرازابال" مجرد صدفة، ولم يكن لديه شرعية أكثر من " بيريز خيمينيز"،  وما إن تم تشكيل الحكومة الجديدة،  الملتزمة بإجراء انتخابات ديمقراطية قبل نهاية العام  1958، حتى أصبحت مسألة من أطاح بالرئيس  "بيريز خيمينيز"  هل هي الانتفاضة العسكرية أو جماهير كاراكاس . فيما تكون شعور لدى الضباط المتمردون الأصليون بأنه يحق لهم الحكم وبدأوا بالتخطيط لمؤامراتهم الخاصة، الا ان "لرازابال" كان مقبولا بشكل عام كقائد للقوات المسلحة. والأهم من ذلك،  أن الأحزاب السياسية التي كانت منشغلة بإعادة بناء منظماتها الوطنية  قد منحته دعمها الكامل،  بما في ذلك الشيوعيين القلائل وبعض من الصاخبين كما كان من قبل الاطاحة " ماركوس بيريز خيمينيز"،  فكان "بيتانكورت" الذي أثبت أنه المنظم الرئيسي من خلال حزبه الذي أعيد إحياؤه هو مصدر آخر لدعم "لارزابال "هو من أصدر إجراءات "ديماغوجية" (50) للتوفيق بين الجماهير الساخطين، وتم تشريع هذه التدابير بطريقة مُخصصة وكان أحدها الاكثر على وجه الخصوص. (51)

لقد بشرت الإطاحة بالرئيس الفنزويلي" ماركوس بيريز خيمينيز"  في 23 كانون الثاني 1958، بفترة أكثر تفاؤلا في السياسة الفنزويلية، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة حافظت على علاقات ودية مع فنزويلا خلال فترة " بيريز"  فقد اعترفت بسرعة بالحكومة المؤقتة الجديدة على أساس أنها تسيطر سيطرة كاملة على الآلية الحكومية، وتتمتع بدعم شعبي وعسكري واسع، وتعهدت بإجراء انتخابات حرة في أقرب وقت ممكن، وفي الوقت نفسه، اعترفت الولايات المتحدة " ببيريز" وفقا لممارستها المعتادة المتمثلة في استقبال زعماء أمريكا اللاتينية في غياب ظروف استثنائية، تماما كما تم قبول "رومولو بيتانكورت" وهو معارض لبيريز وزعم حزب العمل الديمقراطي كرئيس لفنزويلا،  عندما تولى بيريز السلطة .

وفي الانتخابات التي أجريت في كانون اول 1958، فاز" بيتانكورت " بأغلبية قريبة من الأصوات وتولى منصبه كرئيس لفنزويلا في شباط  والذي حصل على 49.2٪ من الأصوات، في حين فاز حزبه ب 73 مقعداً من أصل 132 مقعداً في مجلس النواب، و 32 مقعداً من أصل 51 مقعدا في مجلس الشيوخ وبلغت نسبة الإقبال على التصويت 93.4٪ في الانتخابات الرئاسية و 92.1٪ في انتخابات الكونغرس1959.(52)

     وبعد ان هزم "بيتانكورت"" لارازابال "بتصويت 1.3 مليون مقابل 900 ألف صوت وفاز "حزب العمل الديموقراطى" ب 73 مقعداً من أصل 133 مقعدا في مجلس النواب و32 مقعدا من أصل 51 مقعدا في مجلس الشيوخ، لكن الأحزاب الثلاثة أوفت بتعهدها بتشكيل حكومة ائتلافية. ووصفت انتخابات عام  1958 بأنها علامة فارقة في كل التاريخ السياسي لأمريكا اللاتينية"، ليس فقط لأن الانتخابات كانت حرة ونزيهة، ولكن أيضا لأن المرشح المهزوم، الأدميرال" لارازابال "، على الرغم من دعمه من قبل الجيش، الا انه  حث أتباعه على الوقوف وراء الحكام المُنتخبين.(53)

ووافقت الولايات المتحدة بشكل أساسي على حكومة" بيتانكورت"، وعمقت الدعم مع ظهوره تدريجيا كزعيم لليسار المناهض للشيوعية في أمريكا اللاتينية،  وبالتالي من المُحتمل أن يكون ثقلاً موازنا قويا للمسيرة اليسارية الثابتة لحكومات الموالية للاتحاد،  ومع ذلك  كانت هناك صراعات حادة بين البلدين حول العديد من القضايا، أهمها النفط ووضع الرئيس السابق" بيريز". (54)

وإن كان جزء كبير من نجاح الاتفاقات بين الاحزاب  يتوقف على استبعاد اليسار الثوري. وقد استبعدت أحزابهم عمدا من المواثيق والائتلافات، على الرغم من أنها انضمت إلى الموافقة التوافقية على الدستور ولم تستبعد من الانتخابات حتى أعلنت الحرب على النظام،وكان الهدف من استبعاد اليسار من المواثيق والائتلافات وصنع السياسات هو طمأنة قادة الأعمال والكنيسة والجيش ومصالحتهم مع الديمقراطية الجديدة. من الواضح أن هذا النوع من التغيير التدريجي المتجسد في ميثاق" بونتو فيجو "وبرنامج الحد الأدنى للحكومة استبعد أجندة اليسار للتحول الجذري. كما استبعد اليسار نفسه. وبسبب إحباطها من تقلص التوقعات للتغيير الكبير في الداخل وإلهامها من المثال الأخير" للثورة الكوبية"(55) توصلت أحزاب اليسار إلى استنتاج مفاده أن الثورة ليست ضرورية فحسب، بل ممكنة أيضا لفنزويلا وانتقلت بسرعة إلى التمرد المسلح. كان التمرد قد عزز بشكل حاسم التحالفات التي تم تشكيلها من قبل الاحزاب، وكان الحكم العسكري لا يزال حديثا وفاقدا للمصداقية،  ولعب قادة الاحزاب بمهارة على المخاوف الداخلية وصوروا أنفسهم على أنهم الأمل الحقيقي الوحيد للاستقرار،  وسعوا إلى الحصول على دعم الولايات المتحدة لفنزويلا كبديل لكوبا،  وبالتالي زاد من طمأنة المُحافظين المحليين مع عزل الجماعات العسكرية المتشددة التي حاولت في عدة مناسبات الانقلابات في السنوات التي تلت عام 1958 مباشرة وفي هذه المرحلة، من المناسب النظر عن كثب في طبيعة الأحزاب السياسية الرئيسية التي قدمت  نموذجا للمنظمين السياسيين الذين تمكنوا من السيطرة على المشهد السياسي لمدة نصف قرن،  حيث قدموا سبعة من الرؤساء التسعة المنتخبين بالتصويت الشعبي. ومع ذلك، فقد اضمحللا معا في العقد الذي أعقب عام 1968، حيث ساهمت الحملات التنظيمية والانتخابية الناجحة في الانتعاش الملحوظ للحزب.(56)

لقد قدمت فنزويلا الحديثة للمراقب سجلا مُثيراً للإعجاب من ثلاثة عقود من الانتخابات الضخمة الخالية وفيها  من الاحتيال والتنافسية المتزايدة، وقد حفزت المنافسة التغيير ليس فقط في نمط العلاقات بين الأحزاب، ولكن أيضا في الديناميات الداخلية وتنظيم الأحزاب نفسها. وتُشير البيانات الانتخابية إلى عدة أبعاد حاسمة للتغير في المنافسة الحزبية، والطابع الخاص لتلك المسابقة؛ ومعنى التغييرات الأخيرة في هيكل كل منها تصويت الحزب وتزايد امتناع أعضاء البرلمان، والعلاقة بين الأصوات والتمثيل في البرلمان، ويأتي التشرذم الانتخابي في أشكال عديدة،   وأحد العناصر الواضحة هو النمو الهائل في عدد المرشحين والأحزاب التي تسعى إلى المنصب. وتنافس ثلاثة مرشحين للرئاسة في عام 1958 وقدمت ثمانية أحزاب قوائم تشريعية في الانتخابات الأولى.(57)

ولم يكن الدعم الامريكي لاي انتخابات من أجل فنزويلا كبلد وما يؤكد ذلك أن قادة الانقلاب  في العام 1955 كانوا واثقين من أنفسهم.  وتم تأمين الدعم العسكري في القواعد الإقليمية. وبنفس القدر من الأهمية، أعرب السفير الأمريكي أيضا سرا ًعن دعمه"<