المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

قراءة أولية: في قانون الإدارة المحلية

الأحد 05/يونيو/2016 - 11:42 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات
د. يسرى العزباوي
ينظر الجميع فى مصر بعين الحيطة والحذر إلى قانون الإدارة المحلية الجديد، وذلك لعدة اعتبارات: أولها، لأنه يعد أول تطبيق فعلى لنصوص الدستور الجديد، والذى نص على عدة مواد إيجابية تخص الإدارة المحلية ويترقب البعض تطبيقها فى القانون المزمع إصداره. ثانيها، حالة التأهب القصوى المرفوعة من الأحزاب والشباب للانتخابات المحلية، خاصة مع الشعارات التى رفعت بعد ٣٠ يونيو بأن «المحليات للشباب». ثالثها، الانتهاء من تشكيل آخر مؤسسات منتخبة، والتى لم تجر انتخاباتها منذ ٨ سنوات. ورابعها، الدور المنتظر الذى يفترض أن تلعبه المحليات، ليس فقط فى مجال التنمية ولكن لمواجهة الفساد بمعناه المادى والمعنوى، ويقصد بالمادى هنا الحصول على الرشى للقيام أو الامتناع عن قيام مصلحة ما تخص بعض المواطنين، أما المعنوى فيقصد به التقصير فى أداء العمل اليومى الروتينى. وأخيرًا تخفيف العبء الواقع الآن على أعضاء مجلس النواب بسبب عدم وجود مجالس شعبية محلية تقوم بتأدية وظائفها الطبيعية فى الرقابة والتشريع على المستوى المحلى، وهو ما أدى إلى مزيد من اعتماد المواطنين على النواب من أجل الحصول على خدمات هى فى الأصل حقوقهم الطبيعية، ولكن نتيجة البيروقراطية الراسخة يصعب الحصول عليها.
لم يحسم الدستور قضية استقلال الإدارة المحلية عن السلطة التنفيذية
 إطار دستوري متقدم
تقدّم دستور ٢٠١٤ بالنسبة للإدارة المحلية خطوة وتأخر أخرى. تقدم خطوة عندما أقر بإمكانية الأخذ بآلية الانتخاب للقيادات التنفيذية المحلية، فى المادة ١٧٩ منه. وتأخر خطوةً عندما أعاد «الإدارة المحلية» فرعًا من فروع السلطة التنفيذية، وإن أكد على أنْ «تكفل الدولة دعم اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية».
ولعل من الأهمية الإشارة إلى أن المواد المتعلقة بنظام الإدارة المحلية فى الدستور الجديد قد جاءت فى الفصل الثانى من الباب الخامس الخاص كفرع من فروع السلطة التنفيذية، مما يكرس للنهج المستمر دستوريًا والمتعلق بمركزية السلطة، وعدم القدرة على التحول إلى نظام لا مركزى.
وبالتالى لم يحسم الدستور قضية استقلال الإدارة المحلية عن السلطة التنفيذية. والمواد المتعلقة بالإدارة المحلية فى الدستور هى المواد من ١٧٥ إلى ١٨٣، والتى تدور حول مجموعة من الأمور يعد من أهمها وضع ميزانية مستقلة للمحليات وإمكانية انتخاب المحافظين، ومنع تدخل السلطة التنفيذية فى قرارات المجلس المحلى التى تصدر فى حدود اختصاصه، واعتبارها قرارات نهائية، وذلك وفقًا للمادة ١٨١.
ولكن عادت تلك المادة وأجازت تدخل السلطة التنفيذية فى هذه القرارات فى ثلاث حالات وهى: تجاوز المجلس المحلى حدود اختصاصه، والإضرار بالمصلحة العامة، أو مصالح المجالس المحلية الأخرى.
ومن أهم ملامح الإدارة المحلية فى ظل هذا الدستور ما يلى:
١- مكانة الإدارة المحلية فى الدستور: هناك اختلاف بين دستورى ٢٠١٢ و٢٠١٤، من حيث مكانة الإدارة المحلية فى كل منهما، فبينما أفرد لها دستور ٢٠١٢ فصلًا مستقلًا هو الفصل الرابع (فى ١٠ مواد من المادة ١٨٣ إلى المادة ١٩٢)، نجد أن دستور ٢٠١٤ قد عاد بها مرة أخرى إلى ما كان عليه الوضع فى دساتير ١٩٥٦، و١٩٦٤، و١٩٧١، حيث تناولها فى ٩ مواد (من المادة ١٧٥ وحتى المادة ١٨٣) فى الفرع الثالث من الفصل الثانى الخاص بالسلطة التنفيذية، ويتفق دستور ٢٠١٤ مع دساتير ١٩٥٦ (١٠ مواد)، و١٩٦٤ (مادتين)، و١٩٧١ (٣ مواد) التى كانت تعتبر الإدارة المحلية جزءًا من الفصل المتعلق بالسلطة التنفيذية.
٢- الوحدات المحلية: نص دستور ٢٠١٤ على تقسيم الدولة إلى وحدات إدارية مستقلة، ذكر منها - على سبيل المثال وليس الحصر - المحافظات، والمدن، والقرى، تاركًا للسلطة التشريعية أن تنشئ أو أن تلغى من خلال القوانين ما تشاء من وحدات أخرى، وفقًا للمصلحة العامة.
ويتفق الوضع فى دستور ٢٠١٤ مع الوضع فى ظل دستور ١٩٧١ الذى ذكر المحافظات والمدن والقرى، ومع دستور ١٩٢٣ الذى ذكر المديريات، والمدن، والقرى، وإن كان الأخير قد ذكرها على سبيل الحصر، فلم يشر إلى إمكانية إنشاء وحدات أخرى بالقانون.
ويختلف دستور ٢٠١٤ عن دستورى ١٩٥٦، و١٩٦٤ اللذين لم يذكرا وحدات الإدارة المحلية على سبيل الحصر أو المثال، بل ذكرا أن الدولة تنقسم إلى وحدات إدارية، تاركين للقانون أن يحددها، ومجيزين أن يكون لكل منها أو لبعضها الشخصية القانونية.
وانفرد دستور ٢٠١٤ عن الدساتير الأخرى بالنص على ضرورة مراعاة الظروف الاقتصادية والاجتماعية عند إنشاء أو إلغاء الوحدات المحلية أو تعديل الحدود بينها.
٣- تشكيل المجالس المحلية: نص دستور ٢٠١٤ على تشكيل المجالس المحلية بالانتخاب المباشر من المواطنين، أسوة بما كان عليه الوضع فى دستور ١٩٧١. ويتميز دستور ٢٠١٤ بميزة أخرى عن دستور ٢٠١٢ والدساتير السابقة، من حيث إنه نص على ضمان تمثيل بعض الفئات التى كانت مهمشة مثل المرأة والشباب والمسيحيين وذوى الإعاقة. فأكد على أن يخصص ٢٥٪ من المقاعد للشباب ما بين ٢١ و٣٥ سنة، و٢٥٪ من المقاعد للمرأة، مع ضمان ألا تقل نسبة العمال والفلاحين عن ٥٠٪ من إجمالى المقاعد. كما أكد على ضرورة تمثيل المسيحيين وذوى الإعاقة تمثيلا مناسبا ضمن النسب السابقة. وحدد القانون مدة المجالس المحلية بأربع سنوات، كما أتاح فرص الترشح لمن يبلغ ٢١ عامًا، ويتفق فى ذلك مع ما جاء فى المادة ١٨٨ من دستور ٢٠١٢.
٤-اختيار القيادات التنفيذية: نص دستور ٢٠١٤ على أن ينظم القانون شروط وطريقة تعيين أو انتخاب المحافظين ورؤساء الوحدات الإدارية المحلية الأخرى، ويحدد اختصاصاتهم. وهنا يكون الدستور قد ترك الباب مفتوحًا أمام السلطة التشريعية فى أن تحدد أسلوب الاختيار وفقا للظروف، سواء على مستوى الدولة كلها أو على مستوى الوحدات المحلية، وفى أن تضع شروطًا فى الحالتين. ويختلف فى ذلك عن دستور ٢٠١٢ الذى نص على أن ينظم القانون طريقة اختيارهم، ويحدد اختصاصاتهم.
٥- استقلالية المجالس المحلية: على عكس دستورى ١٩٢٣ و١٩٧١، أكد دستور ٢٠١٤ على استقلالية المجالس المحلية، حيث أشار إلى أن القرارات الصادرة عن هذه المجالس وفى حدود اختصاصاتها نهائية، مؤكدًا عدم جواز تدخل السلطة التنفيذية، إلا لمنع تجاوز المجالس لهذه الحدود أو الإضرار بالمصلحة العامة أو بمصالح المجالس المحلية الأخرى. ويتفق فى ذلك مع دستور ٢٠١٢ ومع مشروع دستور ١٩٥٤. وقد ذهب دستور ٢٠١٤ إلى ما هو أفضل مما جاء فى دستورى ٢٠١٢ و١٩٥٤، حيث نص على أنه فى حالة الخلاف على اختصاص المجالس المحلية للمستويات الأدنى من المحافظة، فإن مجلس المحافظة هو الذى يفصل فيه، فى حين أنه عند الخلاف على اختصاص المجلس المحلى للمحافظة، فإن الذى يفصل فيه على وجه الاستعجال هو الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع فى مجلس الدولة. وكان المختص بالفصل فى الخلاف حول اختصاصات جميع المجالس المحلية فى ظل دستور ٢٠١٢، هو مجلس الدولة، وفى ظل مشروع دستور ١٩٥٤ المحكمة العليا الدستورية.
٦- الاختصاصات المحلية: نص دستور ٢٠١٤ على أن تختص المجالس المحلية بمتابعة تنفيذ خطة التنمية وبمراقبة أوجه النشاط المختلفة، وبممارسة أدوات الرقابة على الأجهزة التنفيذية. وترك للقانون أن يحدد الاختصاصات الأخرى للمجالس المحلية ومواردها المالية وضمانات أعضائها واستقلالها. كما نص فى المادة ١٧٦ على أن تكفل الدولة دعم اللا مركزية الإدارية والمالية والاقتصادية، وعلى أن يكفل القانون وسائل تمكين الوحدات الإدارية من توفير المرافق المحلية والنهوض بها، وحسن إدارتها، وعلى أن يحدد البرنامج الزمنى لنقل السلطات والموازنات إلى وحدات الإدارة المحلية.
٧- التمويل المحلي: انفرد دستور ٢٠١٤ بالنص على أن يكون للوحدات المحلية موازنات مالية مستقلة. واتفق مع دستور ٢٠١٢ ومع مشروع دستور ١٩٥٤ ودستور ١٩٥٦ فى النص على أن يدخل فى مواردها الضرائب والرسوم ذات الطابع المحلى الأصلية والإضافية، وعلى حق كل مجلس محلى فى وضع موازنته وحسابه الختامى. ولم يشر دستورا ١٩٢٣، و١٩٦٤ إلى قضية التمويل، فى حين أحال دستور ١٩٧١ الموضوع إلى القانون.
٨- العلاقات المركزية المحلية: إدراكًا من واضعى الدستور للتفاوت فى الإمكانيات بين الوحدات المحلية وبعضها البعض ولمسئولية الحكومة المركزية عن جميع مناطق الدولة، فقد نص الدستور على أن تكفل الدولة ما تحتاجه الوحدات المحلية من معاونة علمية وفنية وإدارية ومالية، وعلى ضمان التوزيع العادل للمرافق والخدمات والموارد، وتقريب مستويات التنمية، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين هذه الوحدات. ويتفق فى ذلك مع دستور ٢٠١٢، باستثناء أن الأخير لم يشر إلى المعاونة العلمية وإلى تحقيق العدالة الاجتماعية. ويتفق دستور ٢٠١٤ مع دستور ٢٠١٢ فى تقييد حق الحكومة فى حل المجالس المحلية، إذا خرجت على السياسة العامة للدولة، بالنص على عدم جواز حل المجالس المحلية بإجراء إدارى شامل، تاركا للقانون أن يحدد طريقة حل أى منها، وإعادة انتخابه.
٩- حق المجالس المحلية في المساءلة: انفرد دستور ٢٠١٤ عن الدساتير الأخرى بالنص على حق المجالس المحلية فى مساءلة القيادات التنفيذية، وممارسة أدوات الرقابة عليها من اقتراحات وتوجيه أسئلة وطلبات إحاطة واستجوابات وغيرها، وسحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية.

وانفرد دستور ٢٠١٤ عن الدساتير الأخرى بالنص على ضرورة مراعاة الظروف الاقتصادية والاجتماعية عند إنشاء أو إلغاء الوحدات المحلية أو تعديل الحدود بينها
ملاحظات شكلية على القانون
وبناء عليه، أثارت التسريبات التى طرحت لمشروع قانون الإدارة المحلية المزمع تقديمه من الحكومة إلى البرلمان العديد من علامات الاستفهام والتعجب فى الوقت ذاته. وقبل الدخول فى مناقشة ما جاء به من مواد، نبدى عدة ملاحظات:
أولًا، تعديلات منضبطة: إن مشروع القانون لا يعدو كونه سوى تعديلات على قانون رقم ٤٣ لسنة ١٩٧٩، مع محاولة الالتزام أو على الأقل توفيق الأوضاع مع النصوص الدستورية الجديدة، والتى أتاحت للمشرع القانونى أن يحدث نقلة نوعية فى النصوص القانونية ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهى السفن.
ثانيًا، غياب الحوار المجتمعي: اللافت للنظر أن القانون لم يخضع للحوار المجتمعى، حيث تعاملت وزارة التنمية المحلية مع القانون على أنه سر ويجب ألا يطلع عليه أحد إلا المشاركين فى وضعه فقط، وساعد ذلك على زيادة حالة الغموض والالتباس حول القانون، حتى ما تم تسريبه للصحافة كان بعض مواد القانون وليس القانون كاملا.
ثالثًا، رؤى الأحزاب مهمشة: حيث أغفل مشروع القانون بعض الرؤى التى طرحت من قبل بعض الأحزاب، مثل التجمع أو الوفد على سبيل المثال، فضلًا عن رؤى مؤسسات المجتمع المدنى والمراكز البحثية التى قامت بإجراء سلسلة من الندوات واللقاءات للتعرف على وجهة نظر التيارات الشبابية المختلفة حول ما يجب أن يكون عليه القانون، ولكن تم إغفال كل هذه الجهود من قبل القائمين على مشروع القانون، وهو ما يؤكد على أن الحكومة فى وادٍ وباقى مؤسسات الدولة فى وادٍ آخر.
رابعًا، قانون بلا روح أو فلسفة محددة: ربما جاءت مواد القانون منضبطة من حيث الصياغة لكنها بلا فلسفة أو رؤية لدور فاعل للمحليات فى المستقبل القريب أو البعيد، وهذا أمر طبيعى نتيجة التجاهل، ربما المتعمد أو غير المتعمد، للحوار حول القانون، على الأقل مع المتخصصين.
بمعنى آخر، اللجنة التى شكلت لوضع القانون هى ذاتها التى سيطرت على العمل المحلى التنفيذى فى فترات سابقة، وبالتالى جاء القانون بلا روح ثورية تساعد على إحداث نقلة تنموية للإدارة المحلية.
خامسًا، ثابت استاتيكي: نتيجة طبيعية للسبب الرابع، فقد جاء القانون بنفس المستويات المحلية القديمة، حيث حافظ القانون على نفس مستويات التقسيم الإدارى القديم، ولم يأت بجديد فى هذا الإطار، على الرغم من أن دواعى التنمية الاقتصادية والاجتماعية تتطلب إعادة النظر فى التقسيمات الإدارية الحالية والتى تنقصها مرونة الاستجابة للمتغيرات البيئية السريعة، والتى توجب اتباع نظام الوحدات ذات الطبيعة الخاصة، وإعادة النظر فى قانون المدن ذات الطابع الخاص.
وقع المشرع القانونى فى بعض المشكلات، التى توجب إعادة النظر فى مشروع القانون، أو تعديلها من قبل أعضاء مجلس النواب
الملاحظات العشر حول مضمون القانون
وبناء على ما سبق، وقع المشرع القانونى فى بعض المشكلات، التى توجب إعادة النظر فى مشروع القانون، أو تعديلها من قبل أعضاء مجلس النواب، خاصة لجنة الإدارة المحلية، والتى يأتى على رأسها النائب الوفدى الكفء أحمد السجينى، وتضم فى تكوينها مجموعة أعضاء أكفاء على رأسهم نائب التجمع عبدالحميد كمال، فى أن يعقدوا جلسات استماع مع كافة أطياف المجتمع، وذلك لأنه إذا صلحت المحليات صلح المجتمع بأسره، وتحققت التنمية بمعناها الشامل، والعكس صحيح. وبناء عليه نبدى بعضًا قليلاً من الملاحظات حول مشروع القانون:
أولًا، تراجع فى انتخاب المحافظ: فى الوقت الذى فتح فيه الدستور الباب على مصراعيه حول إمكانية انتخاب المحافظين، وذلك عندما نص فى المادة ١٧٩ على أن القانون ينظم شروط تعيين أو انتخاب المحافظين، فإن القانون أخذ بمبدأ التعيين فقط. وبالرغم من عدم وجود شبهة دستورية فى هذا، ولكن ما كنا نتمناه أن تظل هذه الإمكانية قائمة فى القانون خاصة وأن انتخاب المحافظين كان يشكل نقلة نوعية فى العمل المحلى، وبالتالى مزيدًا من الدعم للتوجه نحو اللا مركزية.
ثانيًا، نظام انتخابي معقد: ففى الوقت الذى قدم فيه مشروع القانون تعريفًا منضبطًا للصفات الانتخابية المختلفة أسوة بقانون مجلس النواب ووضع نفس شروط الترشح، إلا أن القانون لم يستجب لرغبات البعض لخفض سن الترشح إلى ١٨ عامًا بدلًا من ٢١ عامًا.
كما أخذ مشروع القانون فى مادته ٤٧ بالنظام الانتخابى المختلط على أن يكون انتخاب كل المجالس المحلية بواقع نصف المقاعد بالنظام الفردى والنصف الآخر بنظام القوائم المغلقة المطلقة ويحق للأحزاب والمستقلين الترشح فى كل منهما. وفى الواقع فإن النظام المختلط به بعض الصعوبات فى مجال التطبيق، خاصة إذ ما وضعنا فى الاعتبار نسبة الأمية المرتفعة والانتماءات المحلية والقبلية.
ولنتذكر جميعًا عندما تم تطبيق النظام المختلط فى الانتخابات البرلمانية ارتفعت نسبة الأصوات الباطلة، وتبارى حين ذاك المحللون فى تقديم تفسيرات متعددة فى هذا الإطار، إلا أن الكل أجمع على أن النظام الانتخابى المطبق كان السبب الرئيسى فى ذلك، فضلًا عن صعوبات عملية الفرز وتأخر إعلان النتائج، وهو ما يؤدى إلى مزيد من التشكيك فى نزاهة العملية الانتخابية.
وقد نص مشروع القانون على أنه يجب أن تتضمن كل قائمة انتخابية عددًا من المرشحين يساوى نصف عدد المقاعد المخصصة للدائرة وعددًا من الاحتياطيين مساويًا له، وهو ما يعد تكلفة مرتفعة على المرشحين من الناحية المادية، وصعوبات عملية فى إعداد قوائم بديلة لهذا الكم الكبير من المقاعد المطلوبة.
ثالثًا، تضارب مصالح: حيث أتاح نص الفقرة الأخيرة من المادة ٣ لموظفى وحدة محلية ما جواز الترشح لعضوية المجلس الشعبى المحلى بشرط ألا يكون فى دائرة عمله، وهذا يعد تناقضًا واضحًا، فكيف لموظف تنفيذى أن يراقب على دائرة عمله من مكان آخر فهو يعمل فى وحدة محلية بقرية، كيف يرشح نفسه فى الحى أو المركز الذى يرأس القرية وبذلك سيراقب على نفسه. علاوة على أن المادة ٥٥ تشترط فيمن يرشح لعضوية المجالس الشعبية المحلية أن يكون مقيدًا فى جداول الانتخاب بالوحدة المحلية التى يرشح نفسه فى دائرتها وله محل إقامة فى نطاقها، وهذا يعنى أن كل من يرشح نفسه ليس إلكترونيًا بل يدويًا مما يفتح باب وجود الوفيات فى كشوف الناخبين.
رابعًا، تدخل في عمل الهيئة الوطنية للانتخابات: حيث نصت المادة رقم ٥٧ على أن يصدر وزير الإدارة المحلية قرارًا بتشكيل لجنة عليا للإشراف على الانتخابات بوزارة الإدارة المحلية تضم ممثلين عن وزارة الداخلية، على أن يتضمن القرار تحديد اختصاصات هذه اللجنة. والسؤال الذى يطرح نفسه، ما هى وظيفة هذه اللجنة فى ظل وجود الهيئة الوطنية الدائمة للانتخابات، وما علاقة الداخلية بإجراء الانتخابات المحلية أصلًا.
خامسًا، فتح باب للفساد: حيث نصت المادة ٧٣ على أن لا يتقاضى عضو المجلس الشعبى المحلى أى رواتب أو مكافآت مقابل عمله وهذا مما يدعو إلى تقليل كفاءة وفعالية عمل المجالس الشعبية المحلية أو فتح المجال أمام المجالس الشعبية المحلية للفساد، ولكن من الأجدى أن يحدد راتب للأعضاء كما هو معمول به فى مجلس النواب.
سادسًا، التفريط في أدوات الرقابة: حيث نصت المادة ٨٩ لأعضاء المجلس الشعبى المحلى فى المركز أو المدينة أو الحى أو القرية توجيه الأسئلة وطلبات الإحاطة لرؤساء وحدات الإدارة المحلية ولرؤساء الأجهزة التنفيذية، حيث قام القانون إما بإلغاء الاستجواب الذى يعنى سحب الثقة من الفاسدين من رؤساء الأحياء والمراكز والقرى ووكلاء الوزراء واكتفى بتقديم الأسئلة وطلبات الإحاطة، أو نسى المشرع ذكرها، وهو الأدق على الأرجح.
سابعًا، مركزية اللامركزية: حيث لم يحدد القانون أى جدول زمنى لتطبيق اللا مركزية مما يجعلها مجرد شعارات فقط وهو ما وضحته المادة رقم ٩٣ التى نصت على أنه يجوز بقرار من المحافظ بناء على اقتراح المجلس الشعبى المحلى للمحافظة، وبعد أخذ رأى وزراء التخطيط والمالية والصناعة والقوى العاملة، تحديد نطاق المناطق الصناعية بالمحافظة وإنشاء لجان للخدمات بها، وهذا يعنى أنه لا قرار لأى محافظ إلا بعد الرجوع إلى الوزراء المختصين وهنا تنتفى صفة اللا مركزية المالية والإدارية ويصبح المحافظ بلا صلاحيات فعلية.
ثامنًا، الصناديق الخاصة: لم يوضح مشروع القانون أية آلية واضحة لضم الصناديق الخاصة بالإدارات المحلية التى يصل عددها إلى أكثر من ٧٠٠٠ صندوق موزعة فى النظام المحلى من حيث مستندات الصرف أو حتى ضمها إلى الموازنة العامة للدولة أو البنود المالية التى تصرف منها.
تاسعًا، ضوابط المدن الجديدة: لم يوضح المشروع ضوابط نقل المدن الجديدة إلى الإدارة المحلية، فالقانون لم يوضح شروط تسليم المدن الجديدة للمحليات على سبيل المثال. كما حافظ القانون على مستوى المركز، فى حين يرى البعض ضرورة إلغاء مستوى المركز، بحيث يكون هناك مستويان فقط، مستوى المحافظة ومستوى الوحدات المحلية الحضرية والقروية، فى حين يرى آخرون أن مستوى المركز هو مستوى شديد الأهمية، وأن إلغاءه والتعامل مباشرة مع مستوى المحافظة هو تكريس لفكرة المركزية.
عاشرًا، غياب الوظيفة التنموية للعاملين فى الإدارة المحلية: حيث لم يتحدث مشروع القانون عن تحويل وظائف الإدارة المحلية من تنظيمية إلى تنموية، وهو ما أدى فى السابق، القريب، إلى ضعف مساهمة نظام الإدارة المحلية فى تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة.
وبالتالى لا بد أن تتم إعادة تصميم وظائف الإدارة المحلية بأن تصمم أنشطة نظام الإدارة المحلية على شكل مشروعات متناسقة لها جدول زمنى مرحلى يشمل المسئولين عن تنفيذ كل مرحلة من مراحل المشروع

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟